ألعب ... وإلا أخرب؟!

 ألعب... وإلا أخرب

25 محرم 1448هـ

 


من المواقف الطريفة في طفولتنا أننا كنا ننشغل باللعب، ثم يأتي أحد الأصدقاء المشاكسين متأخرًا ويقول بنبرة تهديد: "ألعب... وإلا أخرب." أي: إما أن تسمحوا لي بالمشاركة، وإلا سأفسد اللعبة على الجميع.

قد نبتسم اليوم عندما نتذكر ذلك المشهد، لكن المؤسف أن هذا السلوك قد لا يختفي دائمًا مع التقدم في العمر، بل قد يرتدي ثوبًا أكثر رسمية داخل بيئات العمل. فتجد من يقول - بلسان الحال لا المقال -: "إما أن تنفذوا أفكاري، أو لن أعمل معكم." أو: "إما أن يكون القرار كما أريد، أو سأعطل التنفيذ، أو أنسحب، أو أقاوم أي نجاح لا يحمل بصمتي."

المؤسف في هذا السلوك (سواء كان بلسان المقال أو لسان الحال) أنه ينبع من خلل في الفهم الوظيفي والنفسي، ويمكن تلخيصه في نقاط سريعة:

  • الأنا المتضخمة  (Ego): حيث يرى الشخص أن ذاته هي المحور، وأن عدم الأخذ برأيه هو إلغاء لوجوده أو تقليل من قيمته، فيتحول الخلاف المهني إلى معركة شخصية.
  • الابتزاز المقنع: استخدام أساليب ملتوية مثل (المقاومة السلبية، التباطؤ في التنفيذ، نشر السلبية في الفريق) كوسيلة للضغط لفرض الرأي.
  • غياب مفهوم "المصلحة العليا": الخلط بين "الانتصار للفكرة" و"تحقيق الهدف".

هذه ليست قيادة، وليست شجاعة في إبداء الرأي، وإنما صورة متقدمة من الابتزاز الوظيفي، حيث تتحول المشاركة إلى اشتراط، والخلاف إلى تعطيل، والعمل الجماعي إلى رهينة لرغبة فرد واحد. فالفرق كبير بين من يقول: "أقنعوني فأقتنع." وبين من يقول: "إما أن تقتنعوا بي... أو أخرب اللعبة".

الموظف الناضج لا يقيس نجاح الفريق بمدى انتصار رأيه، بل بمدى تحقق الهدف. يناقش أفكاره بقوة، ويدافع عنها بالحجة، فإذا صدر القرار التزم به بإخلاص، لأن ولاءه للمهمة أكبر من ولائه لفكرته، وهذا هو جوهر الاحترافية في العمل المؤسسي.

الشركات العالمية الكبرى تتبنى مبدأ "Disagree and Commit" (خالِفْ.. ولكنِ التزِمْ). يتيح هذا المبدأ لكل فرد داخل الفريق أن يقاتل من أجل فكرته، ويقدم حججه بكل قوة صعوداً ونزولاً. ولكن، بمجرد أن يُتخذ القرار النهائي من قِبل المجموعة أو صاحب الصلاحية، تنتهي مرحلة الجدال، وتبدأ مرحلة التنفيذ بأعلى درجات الإخلاص، وكأن القرار كان فكرته هو منذ البداية.

بيئات العمل الذكية والقيادات الواعية هي التي تتفطن مبكراً لهؤلاء "المشاكسين"، وتضع حداً لهذا الابتزاز؛ لأن نجاح المنظمات وقدرتها على الإنتاج لا يمكن أن يظل رهينة لـ "مزاجية" شخص يرفض أن يكبر!

 

أخوكم

د.م. عبدالله بن دخيل الله الحارثي

 

 

تعليقات

  1. مقال مميز كعادتكم د عبدالله ولعل موقف عبدالله بن أبي بن سلول في غزوة أحد يُعد الصورة النموذجية لتبني هذا المبدأ حين انصرف بثلث الجيش لما لم يؤخذ برأيه، وفي المقابل صورة مثالية للقائد محمد ‎ﷺ حين أخذ برأي الشباب وترك رأيه ومضى بالتزام دون تردد بل ولم تذكر السيرة عتباً على الشباب بسبب رأيهم خاصة بعد الهزيمة ودون ذلك من الأمثلة الواقعية الكثير

    ردحذف
    الردود
    1. تعطر المقال بتعليقكم دكتور خالد، شكرا لك على هذه الإضافة المتميزة

      حذف
  2. مقالكم جميل وأحببت أشارككم مقالي
    في مدونتكم الرائعة 👏🏼
    الصورة غير واضحة
    كم من قرار اتُّخذ، وكم من علاقة انتهت، وكم من انطباع ترسخ في الأذهان، ليس لأن الحقيقة كانت كذلك، بل لأن الصورة لم تكن واضحة.
    نحن لا نرى الواقع دائمًا كما هو، بل كما يصل إلينا. وأحيانًا يكون ما يصل إلينا مجرد جزء صغير من المشهد، أو رواية من زاوية واحدة، أو تفسير يحمل مشاعر صاحبه أكثر مما يحمل الحقيقة نفسها. ومع ذلك، يبني البعض أحكامًا وقرارات مصيرية على هذه الصورة الناقصة.
    حين تسمع عن شخص من الآخرين، ثم تصنفه دون أن تعرفه أو تتعامل معه بنفسك، فأنت لا تحكم على الشخص، بل تحكم على صورة رسمها غيرك. وحين تتخذ قرارًا بناءً على كلام منقول دون التثبت من صحته، فأنت في الحقيقة تتعامل مع صورة مشوشة، لا مع الواقع.
    إن العدالة تبدأ من التثبت، والحكمة تبدأ من سماع جميع الأطراف، والعقل الواعي يدرك أن الحقيقة أكبر من رواية واحدة. فلكل موقف أكثر من زاوية، ولكل قصة تفاصيل قد لا تظهر في أول حديث، ولكل إنسان ظروف لا يعلمها إلا هو.
    المشكلة ليست في نقل الكلام فقط، وإنما في تحويله إلى قناعة راسخة دون بحث أو تحقق. فكم من شخص ظُلم بسبب إشاعة، وكم من فرصة ضاعت بسبب انطباع خاطئ، وكم من علاقة انكسرت لأن أحدهم اكتفى بصورة غير مكتملة.
    لذلك، قبل أن تحكم، اسأل نفسك: هل أرى الحقيقة كاملة؟ أم أنني أنظر إلى جزء منها فقط؟ وهل قراري مبني على معرفة مباشرة، أم على ما نقله الآخرون؟
    الصورة غير الواضحة لا تنتج إلا أحكامًا غير عادلة، وقرارات قد يندم الإنسان عليها لاحقًا. أما التثبت، والتأمل، والاستماع، فهي التي تجعل الصورة أكثر وضوحًا، والقرار أكثر حكمة، والإنصاف أقرب إلى الحقيقة.
    فالإنسان الحكيم لا يستعجل في إصدار الأحكام، لأنه يعلم أن الحقيقة لا تُبنى على الظنون، ولا تُستمد من رواية واحدة، بل تُكتشف عندما تكتمل الصورة.

    ردحذف
  3. تشرف المقال بمرورك أستاذة طموح، وأتفق تماما مع ما تفضلت به، رغم أنه بعيد عن موضوع المقال

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شكراً لكم أيُّها المَنْسِيُّون

الضفادع المغلية