المشاركات

فخ الامتثال

صورة
  رؤية هندسية لمنظومة الحوكمة المؤسسية   مرةً، ذكر لنا أحد خبراء هندسة العمليات أنهم نجحوا في تقليص مدة اعتماد المشاريع في إحدى الشركات من ستة أشهر إلى ثلاثة أيام فقط. لم يكن ذلك عبر أتمتة معقدة أو إعادة هيكلة جذرية، بل من خلال اكتشاف بسيط ومؤلم في آن واحد: أن المعاملات كانت تتكدس لفترات طويلة على مكتب رئيس الشركة بانتظار توقيع " شكلي " لا يضيف قيمة حقيقية للقرار. هذا التوقيع، رغم كونه إجراءً روتينيًا لا يُغيّر من جوهر المشروع، تحوّل إلى عنق زجاجة ابتلع الزمن والجهد، وأصبح رمزًا لتعطّل العمل تحت مظلة " الامتثال " . هذه القصة المختصرة لا تروي حالة استثنائية، بل تكشف نمطًا متكررًا في عالم الإدارة الحديثة، حيث أصبحت " درجة الحوكمة " هي الكلمة السحرية التي تفتح أبواب الثقة والمصداقية. غير أن التدقيق في كواليس المؤسسات يكشف عن ظاهرة مقلقة بدأت تلتهم حيوية المنظمات، وهي ما يمكن تسميته بـ " فخ الامتثال " . هذا الفخ يُنصَبُ حين تتحول الأداة الرقابية من وسيلة لحماية النمو إلى غاية في حد ذاتها ، ويصبح معها النجاح الإداري محصورًا في " سلامة ...

تأصيل الحوكمة: التفكيك قبل المحاكمة

صورة
  يحكي لي أبي عن جده لأمه "جمعان" أنه كان يرعى شؤون ابن أخيه المتوفى (يتيم)، وكان إذا حرث أرض ابن أخيه، وأراد أن يخرج منها، يضرب على قدميه وينفضهما قبل أن يخرج، يزيح عنهما التراب العالق، لكيلا ينقل شيئا من التراب إلى أرض غيره، وله قصص أخرى عجيبة في هذا الجانب. هذه القصة ليست مجرد حكاية عابرة، بل هي " التجسيد الفطري والعميق " لمفهوم الحوكمة قبل أن تُصاغ في لوائح أو قوانين. قصة الجد "جمعان" تضع يدنا على جوهر الحوكمة المعاصرة وهو: " الفصل التام بين المصالح ". من منظور هندسي وإداري، الجد جمعان قام بعملية " عزل مادي ومعنوي " ( Isolation ) لمنع تداخل الأصول، وهو ما نسميه اليوم في الحوكمة بـ " سياسة تعارض المصالح "، لكنه طبقها بوازع من الضمير الذي يسبق الإجراء. وعلى الرغم من وضوح هذا الوازع الأخلاقي في ممارساتنا الفطرية، إلا أن كثيراً من الناس يستصعبون اليوم تمثُّله تحت مسمى ' الحوكمة '؛ ذلك لأن المصطلح اللغوي ذاته لا يدل دلالة مباشرة على المعنى المقصود، هذا المصطلح (الحوكمة) هو ترجمة نحتية لكلمة ( Gubernare ) اللات...

هندسة النية

صورة
            في منظومة القيم المؤسسية تجد كثيرا من المنظمات تعتمد قيمة الإخلاص في العمل كأحد أهم القيم المؤسسية ، وأحيانا تجد اسم المؤسسة أو شعارها المعلن "الأمانة والإخلاص". وهنا يبرز سؤال مشروع، بل وجريء: الإخلاص علاقة خاصة وسرية بين العبد وربه، فما شأنه وشأن الهياكل التنظيمية والمهام الوظيفية؟ لماذا نقحمه في منظومة عمل مؤسسية تُحكم باللوائح والنتائج؟ هل إخلاصي "لله" يؤثر حقاً على أدائي؟ وهل يطالبني النظام بالإخلاص في عمل أتقاضى عليه أجراً مادياً مسبقاً؟ وبأي ميزان نزن هذا الإخلاص؛ هل هو "الولاء الوظيفي" بمفهومه المادي؟ أم أننا نقصد "إخلاصاً" من نوع آخر؟         عندما نتحدث عن " الإخلاص "، فنحن نتحدث عن صفاء القصد وتجريد النية من شوابّ المصالح العابرة؛ أن يكون المحرك الأساسي لعملك هو ابتغاء مرضاة الله سبحانه، بحيث لا يزيده ثناء الناس ولا ينقصه ذمهم. هو أن تؤدي عملك " بإتقان " كأنك ترى الله، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. الإخلاص هو الشعرة الفاصلة بين الأجر والحرمان، هذا أهم ما في الأمر. وهو الذي يحول الجهد المهن...

كورونا… هل يمكن أن تعود؟

صورة
       في الواقع، هذا السؤال يتجاوز حدود البيولوجيا واللقاحات ليصطدم بحقيقة إدارية مُرّة؛ فالأزمات لا تُباغت المنظمات بقدر ما تكشف عورات الثقافة القيادية السائدة. واستخدامنا لـ«كورونا» هنا ليس إلا رمزًا وسياقًا لكل خطر أو تحدٍّ يواجه المؤسسات. فالخطر الحقيقي الذي يهدد الكيانات اليوم لا يكمن في «المجهول القادم»، بل في «المعلوم المتكرر»؛ تلك التحديات التي تعود للظهور بذات السيناريو وبنفس الحيثيات، لتجد أمامها عقلية إدارية لم يتغير فيها سوى التاريخ على التقويم. وهنا تتجسد الفجوة الهائلة بين إدارة المخاطر كدرع استباقي، وإدارة التحديات كاستجابة اضطرارية .      قبل كورونا، كان الحديث عن الأوبئة يُصنّف غالبًا في خانة المخاطر المحتملة التي قد لا تحدث، وكان التعامل معها أقرب إلى التقدير النظري منه إلى الاستعداد العملي. لكن ما إن انتشر الفيروس حتى تغيّر الخطاب فجأة، وتحولت تلك المخاطر إلى تحديات عاجلة، وبرز السؤال الملح: ماذا نفعل الآن؟ عند هذه النقطة وقع التحول الخطير؛ فشلٌ في إدارة المخاطر أعقبه استنزاف عميق في مواجهة التحديات .      ومن هنا...

حكاية "الانطلاق" الذي لم يبدأ

صورة
     استبشر الجميع خيراً حين اكتمل بناء "الخطة الاستراتيجية" . كانت الأوراق تنطق بوعود التغيير، والجداول مرسومة بدقة، والجميع ينتظر لحظة "الانطلاق" . لكن الأيام مرت، وبقيت الخطة حبيسة الأدراج. فالسفن لا تبحر بجمال خرائطها ، بل بوضوح إرادة قبطانها وكفاءة طاقمها. وفي عالم الإدارة، كثيراً ما نشهد ولادة خطط استراتيجية عبقرية تظل راسية في الميناء، لا لخلل في إحداثياتها، بل لوجود "فجوة تنفيذ" ثلاثية الأبعاد: قيادة منشغلة، فريق مقاوم، ومعرفة غائبة. ويُقال في أدبيات الإدارة المعاصرة إن "خطة متوسطة الجودة مع تنفيذ بارع، خير من خطة عبقرية تبقى حبيسة الأدراج".      تؤكد الدراسات التي أجراها "روبرت كابلان" و"ديفيد نورتون" أن 90% من المنظمات تفشل في تنفيذ استراتيجياتها بنجاح، والسبب ليس في "صياغة" الاستراتيجية، بل في "التنفيذ" . حيث تشير الدراسات التي قامت بها مجلة فورنتشن ( Fortune Magazine ) إلى أن أسباب "معضلة سوء التنفيذ" مرتبطة بأربع فجوات: فجوة القيادة: 85% من فرق الإدارة العليا يقضون أقل من ساعة ...

هل العميل دائما على حق؟

صورة
     تتردد في أروقة الشركات والمؤسسات مقولة "العميل دائماً على حق" كدستور غير مكتوب لخدمة العملاء. وبالتأمل في عمق هذا المفهوم، نجد أنه يتقاطع بشكل مثير للدهشة مع المبدأ النبوي الشريف: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" . قد يبدو الربط غريباً للوهلة الأولى، فكيف ننصر الظالم؟ وكيف يكون العميل "على حق" حتى وهو يخطئ؟ الإجابة تكمن في فلسفة النصرة والتوجيه . فنصرة العميل "المظلوم" (الذي تلقى خدمة سيئة) تكون بإنصافه وإعادة الحق له، أما نصرة العميل "الظالم" (الذي يتجاوز حدوده أو يخطئ في تقديره) فتكون بـ "حجزه عن الظلم" برفق، وتوجيهه نحو الصواب بمهنية تحفظ كرامة المؤسسة وموظفيها، تماماً كما فسر النبي ﷺ نصرة الظالم بمنعه عن ظلمه.      في سياق الفكر الإداري الحديث، لم تعد العلاقة بين المنظمة والعميل مجرد عملية بيع وشراء عابرة، بل تحولت إلى ما يسميه "ستيفن كوفي" بـ "رصيد بنك المشاعر" في كتابه الشهير والأكثر مبيعاً "العادات السبع للناس الأكثر فعالية"، حيث تقوم العلاقة المثالية على تراكم الثقة والوفاء بالوعود. ه...

ماذا يحدث في المناطق الرمادية؟

صورة
  في المقالة السابقة تحدثنا عن "دائرة المسؤولية" وأهمية أن تكون نظيفة وواضحة. لكن، لكي نكون واقعيين في ممارستنا الإدارية، يجب أن نعترف أن هذه الدوائر ليست "صافية" تماماً؛ فهناك مساحات تخلو من الوضوح، وهي ما نسميها "المنطقة الرمادية" . لكي نفهم هذه المنطقة، يمكننا تقسيم المسؤوليات في أي منظمة إلى ثلاث مناطق: المنطقة الأولى ( دائرتي ): وهي مسؤوليتي الواضحة والمحددة التي أعرفها جيداً. المنطقة الثانية ( دائرة غيري ): وهي مسؤولية زميلي، الواضحة والمحددة أيضاً. هاتان المنطقتان في الغالب أنها تتقاطع ويكون بينهما منطقة مشتركة هي المنطقة الثالثة ( المنطقة الرمادية ): وهي تلك المنطقة الوسطى التي لا تتضح فيها المسؤوليات بدقة.   الموظف التقليدي يرى في عدم وضوح المهام فرصة للتجاهل أو الهروب، متذرعاً بأنها "ليست من اختصاصي". وبمرور الوقت، تتحول هذه المنطقة الرمادية إلى فجوة ( Gap ) تبتلع الجهود وتعيق تدفق العمل، تماماً كما لو تركنا قطعة ناقصة في لوحة الفسيفساء. هذه الظاهرة تواجه ليس بمزيد من الأوراق والتعاميم، بل بمنهجية إدارية وإيمانية تتلخص ...