المشاركات

ألعب ... وإلا أخرب؟!

صورة
  ألعب... وإلا أخرب 25 محرم 1448هـ   من المواقف الطريفة في طفولتنا أننا كنا ننشغل باللعب، ثم يأتي أحد الأصدقاء المشاكسين متأخرًا ويقول بنبرة تهديد: " ألعب... وإلا أخرب ." أي: إما أن تسمحوا لي بالمشاركة، وإلا سأفسد اللعبة على الجميع . قد نبتسم اليوم عندما نتذكر ذلك المشهد، لكن المؤسف أن هذا السلوك قد لا يختفي دائمًا مع التقدم في العمر، بل قد يرتدي ثوبًا أكثر رسمية داخل بيئات العمل. فتجد من يقول - بلسان الحال لا المقال -: "إما أن تنفذوا أفكاري، أو لن أعمل معكم." أو: "إما أن يكون القرار كما أريد، أو سأعطل التنفيذ، أو أنسحب، أو أقاوم أي نجاح لا يحمل بصمتي ." المؤسف في هذا السلوك (سواء كان بلسان المقال أو لسان الحال) أنه ينبع من خلل في الفهم الوظيفي والنفسي، ويمكن تلخيصه في نقاط سريعة : الأنا المتضخمة   (Ego) : حيث يرى الشخص أن ذاته هي المحور، وأن عدم الأخذ برأيه هو إلغاء لوجوده أو تقليل من قيمته، فيتحول الخلاف المهني إلى معركة شخصية . ا لابتزاز المقنع: استخدام أساليب ملتوية مثل (المقاومة السلبية، التباطؤ في التنفيذ، نشر السلبية في الفريق) كوسيلة...

قراءة في نفسية الزبون: وهمُ الانتصار | قصة قصيرة

صورة
قراءة في نفسية الزبون: وهم الانتصار سلسلة قصصية في أخلاقيات التسويق   في قلب السوق التجاري النابض بالحركة، كان "أبو صالح" التاجر الثلاثيني يقف خلف واجهة محلّه الصغير لبيع العطور الفاخرة والزيوت العطرية النقية، والوجوم يكسو وجهه وهمُّ اكتساب المعيشة يطغى عليه .  صنع "أبو صالح" بتركيبة خاصة خلاصة عطرية فريدة، عبّأها في زجاجات زرقاء أنيقة تتسع لـ (100 مل)، ووضع لها سعراً كان يظنه عادلاً يناسب جودتها: 70 ريالاً. كان يعلم أن العطر يستحق، لكن الأيام مرت والزجاجات الزرقاء مصفوفة على الرفوف كالجنود المهجورين، الغبار يعلوها، وحركة البيع شبه منعدمة. الزبائن يلقون نظرة عابرة، يجدون السعر مرتفعاً بالنسبة لمنتج جديد، ثم يرحلون . راودته فكرة تخفيض السعر مراراً، لكنه كان يخشى أن يلتهم التخفيض هامش ربحه القليل . وبينما هو كذلك دخل عليه ذات يوم صديقه "خالد"، وهو مستشار تسويقي محنّك، رأى الخيبة في عيني صديقه، ونظر إلى الرفوف المكدسة. ابتسم خالد وقال: "يا أبا صالح، بضاعتك ممتازة، لكنك تخاطب عقول الزبائن بالمنطق، والناس في السوق لا يقودهم المنطق، بل تقودهم العاطف...

شكراً لكم أيُّها المَنْسِيُّون

صورة
  شكراً لكم أيُّها المَنْسِيُّون   في غمرة الحراك التنموي المتسارع الذي تشهده بلادنا نحو تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، تتجه الأنظار دوماً نحو الأرقام، والمنجزات، والمؤسسات الكبرى. وفي خضم هذا المشهد الصاخب، يبرز قطاع كامل ينهض على أكتاف رجال وسيدات نذروا أنفسهم لخدمة مجتمعاتهم في صمت؛ إنهم أعضاء مجالس إدارات الجمعيات الخيرية والمنظمات غير الربحية، الذين يمثلون "الجنود المجهولين" في مسيرة البناء الوطني. هؤلاء الذين يديرون دِفّة العطاء، ليس بحثاً عن وجاهة أو مكسب، بل دافعهم فطرة سليمة ونقاء سريرة، يضحون بأوقاتهم، وجهودهم، وبأموالهم الخاصة، ليظل حبل العطاء متصلاً، ومؤسساتنا الوطنية شامخة. لكن المفارقة المؤلمة تكمن في حجم التحديات وضغوط المسؤولية التي يواجهونها؛ فبدلاً من أن يحاطوا بالتحفيز والتمكين، يجدون أنفسهم أحياناً في مرمى سهام التشكيك، أو تحت وطأة قراءات قاصرة وتصريحات عابرة قد تخدش ثقة المجتمع في قطاع يُعدُّ ركيزة أساسية للأمن الاجتماعي والتنمية المستدامة. إن الوقوف مع هؤلاء اليوم ليس مجرد إنصاف لجهودهم، بل هو ذودٌ عن كينونة مؤسسات وطنية تساهم في صياغة مستقبل ال...

القيم أولاً

صورة
  القيم أولاً عندما أراد النبي ﷺ أن يؤكد عِظَم حقِ الأمِّ في حُسْنِ الصُحبة، كرّر حقها ثلاث مرات قبل غيرها، في إشارة تربوية بليغة إلى أن بعض المعاني لا يكفي ذكرها مرة واحدة، لأنها تمثل أصل البناء وأساس الاستقامة. وكذلك القيم في عالم الأعمال؛ فهي ليست بندًا تجميليًا يُذكر على الهامش، بل هي الأصل الذي يجب أن يتكرر حضوره في الرؤية والقرار والسلوك؛ لذلك نقول: القيم أولًا، القيم ثانيًا، القيم ثالثًا، ثم يأتي الإنجاز بعد ذلك. شركة تربح أمولا كثيرة ولكنها تتحصل على ذلك بالخداع والتضليل، هل هي شركة ناجحة؟ من منظور إيماني هي خاسرة، ومن منظور تجاري أيضا هي خاسرة. كيف يكون ذلك؟! المنظور الإيماني واضح؛ فهو يرى أن الشركة أو التاجر أداة لإعمار الأرض ونفع الناس؛ فإذا تحولت إلى أداة لإلحاق الضرر بهم وتضليلهم، فقدت المنظمة مشروعية وجودها الإيماني والأخلاقي، وتحولت أرباحها الحالية إلى "حجة عليها" لا "حجة لها" ، كما أصَّلت الشريعة أيضا أن الكذب والكتمان يمحقان بركة الكسب. وفي أدبيات الإدارة الحديثة ونظريات الاستدامة المؤسسية، يُنظر إلى هذه الشركات على أنها "تستنزف أ...

الأكسجين المؤسسي Organizational O2

صورة
  الأكسجين المؤسسي Organizational O 2 في المقال السابق "الحرب العالمية الدائمة" تحدثنا عن محاولة فهم صراع القيم داخل النفس البشرية من خلال مجموعة من النظريات الاجتماعية والإدارية. وحتى نتم الفكرة ونجعلها فكرة عملية قابلة للتطبيق نتحدث اليوم عن الأكسجين المؤسسي. في عالم الإدارة، نتحدث عن "خطوط الدفاع الثلاثة" لضبط المخاطر وحماية المنظمة: ·       الخط الأول: الإدارة التشغيلية (التي تمتلك المخاطر وتديرها مباشرة). ·       الخط الثاني: وظائف الرقابة والامتثال والجودة (التي تضع الأطر وتراقب الالتزام). ·       الخط الثالث: التدقيق الداخلي (الذي يقدم تأكيداً مستقلاً). لكننا نُغفل دوماً ما يمكن تسميته بـ "الخط صفر"؛ وهو الوازع القيمي الكامن في قلب الموظف قبل أن يبدأ عمله. إن أي حوكمة تعتمد على الأسوار الخارجية فقط هي حوكمة "هشة" وعالية التكلفة، فبدون هذا الخط الدفاعي ما قبل الأول، سيظل الإنسان يبحث عن "ثغرة" يلتف بها على الأنظمة بمجرد غياب الرقيب البشري. هنا يبرز النموذج الأسمى لتعظيم القيم، وهو "التدين...

الحرب العالمية الدائمة

صورة
    يظل فهم طبيعة الناس من أصعب وأعقد الأمور التي تواجه القادة والمربين على حد سواء؛ فالنفس البشرية ليست آلة بسيطة يمكن توقع حركتها بضغطة زر، بل هي منظومة معقدة تتصارع فيها القوى ليل نهار. في الحقيقة، نحن لا نتفاعل مع الأحداث من حولنا بعشوائية أو بمحض الصدفة، بل إن محركنا الحقيقي هو "القيم" المترسخة في أعماقنا. القيم هي "الخزان" الذي يدفع ويحرك السلوك ؛ فالشخص الذي تتجذر فيه قيمة "العطاء" تصبح هذه القيمة هي المحرك الذاتي والدافع التلقائي للبذل والصدقة. لكن واقعياً، لا يسير الأمر داخل النفس بهذه البساطة؛ فالسلوك البشري هو في الحقيقة "النتيجة العملية لصراع جماعي" بين مجموعة ضخمة من القيم داخل النفس. هذا الصراع لا يقتصر على القيم المتضادة فقط (مثل العطاء والبخل)، بل هو اشتباك بين قيم مباشرة مرتبطة بالموقف، وقيم غير مباشرة تسكن في عمق اللاشعور بعضها فطري وبعضها مكتسب. تأمل هذا المشهد في بيئة العمل الوظيفية: أمين صندوق يجد أمامه ثغرة رقابية تمكنه من تحقيق مكسب شخصي لن يكتشفه أحد. في تلك اللحظة، تبدأ "معركة صامتة" داخل نفسه؛ تتصارع...

الضفادع المغلية

صورة
 28 شعبان 1447هـ كتبت في مقالة سابقة عن الطواقي الست، حذرني أحد الأصدقاء أن المقالة ستلامس جراحاً لدى بعض " المشجعين الرياضيين "، فبررت له أن المقالة متخصصة في " الشأن الإداري " وأنني لا أتحدث عن الرياضة لا من قريب ولا بعيد، ولست من متابعيها الشغوفين، لانشغالي عنها، أسمع نقاشاتهم الحادة في بعض المجالس إلا أنني لا أعيرها اهتماما، ومع أنني بررت في تلك المقالة عن هذا المعنى أعيد هنا نفس التبرير، الموضوع له ارتباط بمفهوم إداري ولا يمس أي معنى يدور بين المشجعين ولا أصطف مع أي طرف منهم . تقول الأسطورة؛ يُحكى أنَّ شخصاً أراد عمل تجربة، فأتى بماء مغلي ورمى فيه ضفدعاً ، فور ملامسته للماء انتفض وقفز بكل قوته خارج الإناء لينجو بنفسه في أجزاء من الثانية. أعاد الشخص التجربة بطريقة أخرى؛ فأتى بماء بارد في إناء، ووضع فيه ضفدعاً آخر، فاسترخى الضفدع وبدأ يسبح بهدوء واستمتاع. ثم أشعل الشخص ناراً تحت الإناء، وبدأت درجة الحرارة ترتفع ببطء. كان الضفدع يشعر بالدفء يزداد شيئاً فشيئاً، فكان يتكيف مع كل درجة حرارة جديدة ويوائم حرارة جسده معها. استمرت الحرارة حتى وصل الماء لمرحلة الغليان، ...