الحرب العالمية الدائمة

 

 

يظل فهم طبيعة الناس من أصعب وأعقد الأمور التي تواجه القادة والمربين على حد سواء؛ فالنفس البشرية ليست آلة بسيطة يمكن توقع حركتها بضغطة زر، بل هي منظومة معقدة تتصارع فيها القوى ليل نهار.

في الحقيقة، نحن لا نتفاعل مع الأحداث من حولنا بعشوائية أو بمحض الصدفة، بل إن محركنا الحقيقي هو "القيم" المترسخة في أعماقنا. القيم هي "الخزان" الذي يدفع ويحرك السلوك؛ فالشخص الذي تتجذر فيه قيمة "العطاء" تصبح هذه القيمة هي المحرك الذاتي والدافع التلقائي للبذل والصدقة.

لكن واقعياً، لا يسير الأمر داخل النفس بهذه البساطة؛ فالسلوك البشري هو في الحقيقة "النتيجة العملية لصراع جماعي" بين مجموعة ضخمة من القيم داخل النفس. هذا الصراع لا يقتصر على القيم المتضادة فقط (مثل العطاء والبخل)، بل هو اشتباك بين قيم مباشرة مرتبطة بالموقف، وقيم غير مباشرة تسكن في عمق اللاشعور بعضها فطري وبعضها مكتسب.

تأمل هذا المشهد في بيئة العمل الوظيفية: أمين صندوق يجد أمامه ثغرة رقابية تمكنه من تحقيق مكسب شخصي لن يكتشفه أحد. في تلك اللحظة، تبدأ "معركة صامتة" داخل نفسه؛ تتصارع قيمة "الأمانة" و"الرقابة الذاتية" و"الخوف من الانكشاف" مع دوافع "المنفعة الشخصية" و"الخوف من الفقر" و"الرغبة في تأمين المستقبل". وما يفعله أمين الصندوق في النهاية ليس فعلاً عابراً، بل هو "المحصلة النهائية" لانتصار إحدى هذه القيم على الأخرى. هذا المثال لا ينطبق على الوظائف فقط، بل على معظم المواقف التي تعترض الإنسان في حياته.

لقد حاولت نظريات الإدارة الحديثة تفسير الدوافع التي تحركنا، ولعل أشهرها نظرية «هرم ماسلو»، التي رتبت دوافع الإنسان كدرجات صاعدة في سلم؛ تبدأ من القاعدة بـ (الاحتياجات الفسيولوجية)، ثم (احتياجات الأمان)، تليها (الاحتياجات الاجتماعية)، ثم (الحاجة للتقدير)، وصولاً إلى درجة (تحقيق الذات)، أضاف ماسلو لها لاحقاً درجة في قمة الهرم سماها «التسامي بالذات»، إلا أن هذه النظرية ظلت تفترض أن الإنسان لا يبحث عن المستويات العليا إلا بعد أن يشبع حاجاته الأساسية في قاعدة الهرم. والحقيقة التي أكدها كثير من الناقدين أن كل مستويات هذا الهرم تتزاحم وتتصارع داخل النفس في آنٍ واحد؛ فقد تجد إنساناً تتصادم في أعماقه (الحاجة المادية) الموجودة في قاعدة الهرم، مع (القيمة الأخلاقية) المتربعة في قمته، وكلاهما يضغط عليه بقوة ليوجه سلوكه. فالإنسان قد يضحي بمصلحة مادية عاجلة من أجل قيمة أخلاقية يؤمن بها، كما قد يفعل العكس في مواقف أخرى. إن السلوك الظاهر الذي نراه في النهاية هو "المحصلة النهائية" لانتصار إحدى هذه القوى المتصارعة على الأخرى في ميزان النفس.

هذا المعنى بيّنه كثيرٌ من علماء المسلمين كالإمام ابن القيم والإمام الغزالي والإمام ابن حزم رحمهم الله جميعاً في العديد من مؤلفاتهم؛ فقد وصفوا النفس البشرية بأنها ميدان لـ "تدافع الخواطر" و "حرب الإرادات" و "تدافع الأخلاق". وأكدوا أن السلوك لا يخرج للعلن إلا بعد أن تضع الحرب أوزارها في الداخل بين "داعي الفضيلة والشرع" وبين "داعي الهوى والمنفعة".

﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ (41) ﴾ [النازعات:37-41].

في النهاية؛ سلوكنا هو مرآة لصراعاتنا الداخلية؛ فمن أراد سلوكاً مستقيماً، فعليه أن يبدأ بإصلاح "ميزان القيم" في قلبه. فإذا استقامت القيم في الداخل وانضبط تدافعها، خرج السلوك في الخارج بصورة مشرقة تليق بالإنسان ومهمته في هذه الحياة.

بعد فهمنا لطبيعة الصراع لعلنا نتناول في مقال قادم موضوع هندسة الدوافع لنفهم كيف يمكننا إحداث التغيير المرغوب من خلال ترتيب منظومة القيم.

 

أخوكم

د.م. عبدالله بن دخيل الله الحارثي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكاية "الانطلاق" الذي لم يبدأ

الضفادع المغلية

الطواقي الست