اكتشف قيمتك
من الحكم المأثورة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "قيمة كل امرئ ما يحسن"، قال ابن عبدالبر: "لم يسبقه إلى هذا الكلام أحد، وهو من الكلام العجيب الخطير"وهي حكمة بليغة تلخص نظريات عميقة في إدارة الموارد البشرية، وتعني أن الذي يرفع قيمة الإنسان بين الناس هو ما يجيد عمله ويبرع فيه ويتقن أداءه.
هذه الحكمة هي بالفعل جوهرية ومحورية. هي ليست مجرد قول مأثور، بل هي مبدأ أساسي في الحياة والعمل. إنها تؤكد أن القيمة الحقيقية للفرد لا تكمن في مؤهلاته النظرية أو عدد سنوات خبرته فحسب، بل في جودة إنجازه، وإتقانه لعمله، وقدرته على تحقيق نتائج ملموسة وفعالة. هذا المبدأ يتجاوز مجرد الحرفة أو المهارة، ليمتد إلى القدرة على التفكير، التحليل، حل المشكلات، واتخاذ القرارات الذكية، والناس ليسوا سواسية في ذلك.
من الحكايات التي تروى في هذا الموضوع، باختصار؛ يحكى أن موظفا ذهب إلى مديره - في إحدى الشركات الزراعية - يتظلم ويطلب زيادة في الراتب، ويقارن نفسه بزميله في العمل الذي يحمل نفس مؤهله وعدد سنوات الخبرة، لكن راتب زميله والعمولات التي يحصل عليها كانت أعلى. أوضح له المدير أن المسألة لها علاقة بقيمة الأداء الوظيفي لكل منهما، لكنه لم يقتنع. كلفه المدير بمهمة "التفاوض مع تجار البطيخ لتخفيض السعر"، عاد الموظف بعد يومين مبتهجا وأخبر مديره بأنه حصل على خصم 10% من السعر السابق، شكره على جهده، وقال له سأكلف زميلك بنفس المهمة وانتظر معي النتيجة، رجع الموظف الآخر بعد يومين وقدم للمدير تقريرا عن نتائج المهمة بهذا الشكل: "يوجد في المنطقة عشرة تجار بطيخ، ثلاثة منهم لديهم إنتاج متميز في حجم وجودة البطيخ، التاجر الأول قدم خصما بنسبة 10%، والتاجر الثاني بـ 15%، والتاجر الثالث بـ 15% مع أجرة التوصيل وإذا كانت الكميات عالية سيكون الخصم 20%"، كان الموظف الأول يستمع باندهاش إلى تقرير زميله، وأدرك أن هناك فرقا كبيرا في الأداء.
الموظف الأول ركز على المهمة (الحصول على خصم)، بينما الموظف الثاني ركز على الهدف الشامل (أفضل صفقة ممكنة للشركة) وعلى القيمة المضافة.
الموظف الأول قام بما طُلب منه حرفيًا. أنجز المهمة وحصل على خصم، وهذا جيد لكنه ليس الأفضل. الموظف الثاني لم يكتفِ بإنجاز المهمة، بل قام ببحث شامل، حلل الخيارات المتاحة، وقدم تقريرًا مفصلًا يسمح للمدير باتخاذ قرار استراتيجي مبني على معلومات دقيقة. هذا يدل على مهارات أعلى في التفكير النقدي، البحث، التفاوض، وتقديم القيمة.
الموظف الأول تعامل مع التكليف كأنه "عبء إجرائي" يريد التخلص منه؛ سأل عن السعر، حصل على الخصم، وانتهى دوره. أما الموظف الثاني فقد "تملّك" القضية؛ شعر أن مال الشركة ماله، وأن نجاح الصفقة نجاحه الشخصي. هذا يسمى إدارياً بالانتقال من الامتثال (Compliance) إلى الالتزام (Commitment).
وللحديث بقية بإذن الله ...
أخوكم
د. م. عبدالله بن دخيل الله الحارثي
9 رجب 1447هـ
تعليقات
إرسال تعليق