دائرة المسؤولية
منذ مدة طويلة تعلمت مفهوما إداريا من أحد مديريَّ، وكان ذلك بلسان الحال لا بلسان المقال، أي أنني تعلمته منه من خلال أسلوب المتابعة الذي يتبناه، من الأدوات التي كان يستخدمها "اجتماع الإثنين" لا أتذكر أنه تخلف عنه خلال سنوات العمل إلا مرة أو مرتين، اجتماع طويل يجمع فيه جميع المدراء ويناقش فيه الأعمال بتفصيل ممل، كان المدير والاجتماع مهيبان للجميع، وكنا نطلق على هذا الاجتماع "الحصة" بأسلوب دعابي لأنه كان أشبه بحصة تعليمية وتصحيح واجبات.
لم يكن ذلك المفهوم في بداياته ناضجا عندي كمفهوم
إداري متفق عليه، لكن مع مرور السنين والأعوام ومع القراءات وتتابع التجارب أصبح
هذا المفهوم راسخا وقويا، وأنا أحدثك عنه الآن.
لكل منّا
في عمله "دائرة مسؤولية" هو مسؤول عن تنفيذها يحيط
بها ويقوم عليها. في بنية العمل؛ هذه الدوائر ليست جزرا متباعدة ولا وحدات منفصلة،
بل هي كـ "البنيان المرصوص"
يشد بعضه
بعضاً؛ فاستقامة بنائك هي ضمان لتماسك البناء كله، وأي وهن في دائرتك قد يهدد
استقرار السقف فوق الجميع. إنها تشبه تماماً "قطعة الفسيفساء"؛
مهما كانت قطعتك فريدة، فإن جمال اللوحة النهائية يعتمد على نظافة حواف قطعتك ودقة
اكتمالها لتتلاحم مع بقية القطع.
إن
تكدس المهام المعلقة في دائرتك ليس مجرد زحام شخصي، بل هو نتوءٌ يمنع قطعتك من
الاستقرار في مكانها، مما يعطل دوائر الآخرين ويشوه اللوحة الكلية للعمل.
لماذا
يجب أن تكون دائرتك نظيفة دائماً؟ هذه أربع نظريات نفسية وإدارية تؤيد هذا
المفهوم:
- غلق
"الحلقات المفتوحة": وفقاً
لمنهجية "إنجاز المهام" (Getting Things Done)، كل مهمة
معلقة هي "حلقة مفتوحة" تستنزف طاقتك. تنظيف دائرتك هو السبيل
للوصول إلى حالة "ذهن
كالماء"؛
حيث الصفاء والقدرة على الإبداع دون مشتتات.
- ضمان
"التدفق" ومنع الهدر: في
فلسفة الإدارة اللينة (Lean) التي تُستخدم بكثرة في الهندسة والعمليات، تُعتبر
المهام المعلقة "هدراً" يعطل الانسيابية. الدائرة النظيفة تضمن
مرور العمل بسلاسة، بينما الدائرة المزدحمة تتحول إلى "عنق زجاجة"
يعطل المسيرة.
- تكامل
"البنيان" ومنع التعطيل: وهي تطبيق للحديث النبوي الشريف "المؤمن للمؤمن كالبنيان
يشد بعضه بعضا"، وتطبيقها
مؤسسيا يعني أنه عندما تترك مهمة معلقة، فإنك تُحدث "فجوة" في
البنيان المرصوص للمؤسسة. تنظيف الدائرة أولاً بأول هو المحرك الذي يضمن عدم
توقف الزملاء خلفك، ويجعل قطعتك في الفسيفساء داعمة لما حولها لا عائقاً له.
- مبدأ
"النوافذ المحطمة": رغم
أنها نظرية في علم الجريمة، إلا أنها تُطبق في الإدارة. وملخصها
أن ترك المهام الصغيرة معلقة يعطي انطباعاً بأن الإهمال مقبول. إبقاء الدائرة
نظيفة هو صيانة لثقافة التميز المؤسسي، وحماية لجمال اللوحة التي نرسمها معاً.
دعوتي
لكم..
إن
"تنظيف دائرة المسؤولية" هو أمانة في عنق كل صاحب بناء. عندما تغادر
مكتبك ودائرتك نظيفة، فأنت تريح ذهنك، وتُحكم لِبنة في جدار مؤسستك، وتضع قطعة
فسيفساء زاهية في لوحة النجاح المشترك.
باختصار
"نظِّف دائرة مسؤوليتك" فإن لم تفعل فقد حكمت على الآخرين بالإرهاق
والتعب ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أخوكم
م. عبدالله بن دخيل الله الحارثي
13 رجب 1447هـ
تعليقات
إرسال تعليق