هل العميل دائما على حق؟



    تتردد في أروقة الشركات والمؤسسات مقولة "العميل دائماً على حق" كدستور غير مكتوب لخدمة العملاء. وبالتأمل في عمق هذا المفهوم، نجد أنه يتقاطع بشكل مثير للدهشة مع المبدأ النبوي الشريف: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". قد يبدو الربط غريباً للوهلة الأولى، فكيف ننصر الظالم؟ وكيف يكون العميل "على حق" حتى وهو يخطئ؟ الإجابة تكمن في فلسفة النصرة والتوجيه. فنصرة العميل "المظلوم" (الذي تلقى خدمة سيئة) تكون بإنصافه وإعادة الحق له، أما نصرة العميل "الظالم" (الذي يتجاوز حدوده أو يخطئ في تقديره) فتكون بـ "حجزه عن الظلم" برفق، وتوجيهه نحو الصواب بمهنية تحفظ كرامة المؤسسة وموظفيها، تماماً كما فسر النبي ﷺ نصرة الظالم بمنعه عن ظلمه.

    في سياق الفكر الإداري الحديث، لم تعد العلاقة بين المنظمة والعميل مجرد عملية بيع وشراء عابرة، بل تحولت إلى ما يسميه "ستيفن كوفي" بـ "رصيد بنك المشاعر" في كتابه الشهير والأكثر مبيعاً "العادات السبع للناس الأكثر فعالية"، حيث تقوم العلاقة المثالية على تراكم الثقة والوفاء بالوعود. هذه العلاقة لا تقوم على التبعية المطلقة للعميل، بل على مفهوم "خلق القيمة المشتركة" (Creating Shared Value)، إن النظريات الإدارية المعاصرة، مثل "نظرية التبادل الاجتماعي"، تؤكد أن استمرار العلاقة مرهون بشعور الطرفين بالإنصاف؛ فالعلاقة المثالية بين المنظمة والعميل لا ينبغي أن تكون علاقة "سيد وتابع" حيث يملي أحدهما شروطه بالكامل، بل هي علاقة شراكة استراتيجية تقوم على تبادل المنفعة والقيمة.   

    المنظور الإسلامي في التعامل تجاوز الفكر الغربي من مجرد "تبادل المنفعة والقيمة" إلى "العدل والإحسان"، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "فإن الشريعة مبناها ومدارها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصلحة كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة". فالعدل في المنظور الإسلامي قيمة مطلقة لا تحابي طرفاً على حساب آخر، بل تضع ميزاناً يحفظ للمتعامل كرامته ولصاحب العمل حقه. والعلاقة التي يحث عليها الإسلام ويرغب فيها بين المتعاملين هي التي يتجاوز فيها الطرفان لغة العقود الجافة إلى لغة الفضل والمسامحة، دون أن يطغى أحدهما على الآخر. ويمكن وصف هذه العلاقة المثالية عمليا من خلال الأبعاد التالية:

1. التوقعات المتوازنة (Balanced Expectations)

تبدأ العلاقة المثالية بوضوح الشروط والوعود. المنظمة الناجحة لا تبيع "أوهاماً" لترضى العميل مؤقتاً، بل تقدم وعوداً صادقة. العميل في هذه العلاقة يحترم حدود الخدمة، والمنظمة تبذل قصارى جهدها لتجاوز التوقعات في حدود الممكن.

2. الاحترام المتبادل

في العلاقة المثالية، يُنظر إلى العميل كإنسان له مشاعره واحتياجاته، ويُنظر إلى الموظف ككفاءة مهنية تستحق التقدير. إن مفهوم "العميل دائماً على حق" لا يعني أبداً قبول الإهانة للموظف؛ لأنه إذا شعر الموظف أن المنظمة تضحي بكرامته إرضاءً لعميل مخطئ، انخفضت إنتاجيته وساءت جودة خدمته، مما يضر بالعميل نفسه في نهاية المطاف.

3. الشفافية والمسؤولية المشتركة

عند حدوث خطأ، ينبغي أن تبادر المنظمة بالاعتراف به واحتواء العميل، وفي المقابل، يجب أن يتحلى العميل بوعي كافٍ لفهم طبيعة العمليات المؤسسية. هذه الشفافية تبني جسراً من الثقة يجعل العميل يدافع عن المنظمة وكأنه جزء منها.

4. القيمة المضافة فوق العقد المكتوب

العلاقة المثالية تتجاوز مجرد "مبادلة المال بالخدمة". إنها علاقة "إحسان"؛ حيث تسعى المنظمة لتقديم حلول حقيقية لمشكلات العميل، بينما يقدم العميل ملاحظات تطويرية (تغذية راجعة) تساعد المنظمة على النمو.

    ختاماً، يمكن القول إن العميل ليس معصوماً ليقال إنه على حق دائماً، لكنه دائماً "مُحترم" و"مُقدر". إن نصرة العميل في معناها الشمولي هي توجيهه نحو الصواب برفق في حال خطئه، وإنصافه بقوة في حال حقه. إنها علاقة تكاملية تحكمها قيم العدل والإحسان، حيث تسعى المنظمة لأن تكون "مُحسنة" في العطاء، ويكون العميل "سمحاً" في الاقتضاء، وبذلك تتحقق البركة في العمل المؤسسي وتُبنى الكيانات على أسس متينة من الثقة المتبادلة التي لا تهزها الأزمات العابرة.

 

أخوكم،

د. م. عبدالله بن دخيل الله الحارثي

25 رجب 1447هـ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكاية "الانطلاق" الذي لم يبدأ

هندسة النية

كورونا… هل يمكن أن تعود؟