حكاية "الانطلاق" الذي لم يبدأ
تؤكد الدراسات التي أجراها "روبرت كابلان" و"ديفيد نورتون" أن 90% من المنظمات تفشل في تنفيذ استراتيجياتها بنجاح، والسبب ليس في "صياغة" الاستراتيجية، بل في "التنفيذ". حيث تشير الدراسات التي قامت بها مجلة فورنتشن (Fortune Magazine) إلى أن أسباب "معضلة سوء التنفيذ" مرتبطة بأربع فجوات:
- فجوة القيادة: 85% من فرق الإدارة العليا يقضون أقل من ساعة واحدة شهرياً في مناقشة الاستراتيجية.
- فجوة الوعي لدى الفريق: 5% فقط من الموظفين يفهمون استراتيجية منشآتهم.
- فجوة الحوافز والارتباط: 25% فقط من المديرين ترتبط حوافزهم المالية بمدى تحقيق الاستراتيجيات.
- فجوة الموازنة المالية: 60% من المؤسسات لا تربط موازناتها المالية بالاستراتيجيات الموضوعة.
القيادة التي يُفترض أنها الملهم والمحرك،
غارقة في دوامة العمل اليومي، وتاركةً "بوصلة المستقبل" للغبار. حيث تُجمع
الدراسات الإدارية على أن أذكى الخطط الاستراتيجية لا يمكنها أن تشق طريقها نحو
النجاح إذا واجهت "قيادة غائبة" أو "رأساً منشغلاً" بالتفاصيل
التشغيلية اليومية عن الأهداف الكبرى. إن التحدي الحقيقي للانطلاق ليس بالدرجة
الأولى في نقص الموارد أو تعقيد المبادرات، بل في "فجوة الرعاية
القيادية"؛ فبدون انخراط كامل من الإدارة العليا، يصبح الانطلاق مجرد محاولة
للتحليق بجناح مكسور، فالقائد ليس مجرد سلطة لاعتماد الأوراق، بل هو "مصدر
الإلهام" الذي بدونه يفقد الفريق وجهته. وحين يغيب اهتمام القيادة العليا
المستمر، تسود حالة من الضياع، ويصبح بناء المبادرات عملاً بلا روح.
وطاقم السفينة الذي يفترض أنه الرافع
والداعم للانطلاق؛ لا يتقبل فكرة "الانطلاق من خطة". فوفقا لنموذج
"كورت ليفين" "مقاومة التغيير" (Resistance to Change)؛
الفريق الذي اعتاد العشوائية أو العمل التقليدي، يرى في الخطة "قيداً"
يهدد منطقة الراحة الخاصة به. هذه المقاومة النفسية جعلت "التبني
الشامل" للخطة أمراً مستحيلاً، وتحولت الأوراق إلى عدوّ بدلاً من أن تكون
دليلاً. فالعمل يتعطل والتغيير يفشل عندما تتساوى القوى الدافعة مع القوى المعيقة،
أو تتفوق المعيقة.
ومع تداخل هذه التحديات، تبرز
"نظرية الوكالة" (Agency Theory) لتكشف عمق الفجوة؛
ينشغل "الأصيل" (القيادة) ويقاوم "الوكيل" (الفريق) ويغيب
الفهم، وينهار "نظام المتابعة والرقابة". إن نجاة أي منظمة من حالة
"التعليق" هذه تتطلب ثورة في الوعي؛ تبدأ بعودة الربان إلى قمرة القيادة
وتفرغه للقرار الاستراتيجي، وتمر بتفكيك مقاومة الفريق عبر إشراكهم في بناء
المستقبل، وتنتهي بتجسير فجوة المعرفة عبر التدريب المكثف على "متطلبات
التنفيذ". فالانطلاق ليس مجرد أمر إداري يصدر، بل هو "ثقافة" تبدأ
بوضوح الرؤية عند القائد، وتنتهي بتمكن الفريق من أدواته، ليتحول الورق أخيراً إلى
حقيقة تمشي بين الناس.
وما
أحسن قول أمير الشعراء أحمد شوقي:
وَمَا نَيْلُ المَطَالِبِ بِالتَّمَنِّي ... وَلَكِنْ تُؤْخَذُ
الدُّنْيَا غِلَابَا
أخوكم،
م. عبدالله بن دخيل الله الحارثي
28 رجب 1447هـ
تعليقات
إرسال تعليق