الضفادع المغلية

 28 شعبان 1447هـ

THE BOILING FROG: THE RISKS OF A HIGH LEVEL ADAPTABILITY

كتبت في مقالة سابقة عن الطواقي الست، حذرني أحد الأصدقاء أن المقالة ستلامس جراحاً لدى بعض "المشجعين الرياضيين"، فبررت له أن المقالة متخصصة في "الشأن الإداري" وأنني لا أتحدث عن الرياضة لا من قريب ولا بعيد، ولست من متابعيها الشغوفين، لانشغالي عنها، أسمع نقاشاتهم الحادة في بعض المجالس إلا أنني لا أعيرها اهتماما، ومع أنني بررت في تلك المقالة عن هذا المعنى أعيد هنا نفس التبرير، الموضوع له ارتباط بمفهوم إداري ولا يمس أي معنى يدور بين المشجعين ولا أصطف مع أي طرف منهم.

تقول الأسطورة؛ يُحكى أنَّ شخصاً أراد عمل تجربة، فأتى بماء مغلي ورمى فيه ضفدعاً، فور ملامسته للماء انتفض وقفز بكل قوته خارج الإناء لينجو بنفسه في أجزاء من الثانية. أعاد الشخص التجربة بطريقة أخرى؛ فأتى بماء بارد في إناء، ووضع فيه ضفدعاً آخر، فاسترخى الضفدع وبدأ يسبح بهدوء واستمتاع. ثم أشعل الشخص ناراً تحت الإناء، وبدأت درجة الحرارة ترتفع ببطء. كان الضفدع يشعر بالدفء يزداد شيئاً فشيئاً، فكان يتكيف مع كل درجة حرارة جديدة ويوائم حرارة جسده معها. استمرت الحرارة حتى وصل الماء لمرحلة الغليان، وعندما أحس الضفدع بالخطر القاتل وحاول القفز، اكتشف أن كل قواه الحيوية استُنزفتْ في عملية التكيف التدريجي، ولم يعد يملك طاقة للقفزة الكبرى .. فمات داخل الإناء.

مؤسسيا؛ تسمى هذه الظاهرة بالتضفدع أو الضفادع المغلية The Boiling Frog، وهي حكاية مجازية شهيرة تُستخدم في عالم الإدارة والاقتصاد وعلم النفس لوصف ظاهرة التكيف مع التدهور التدريجي.

هذا الموت الصامت الذي تمثله الضفدع لا يحدث في المختبرات فحسب، بل يتجسد في بعض منظماتنا بصور شتى، حيث يبرز التضفدع أحياناً على شكل تنامي الإجراءات المعقدة والبيروقراطية التي تخنق الإبداع تدريجياً، وأحياناً على شكل تسرب الكفاءات الصامت؛ حيث يغادر المبدعون واحداً تلو الآخر دون ضجيج. وتارة يظهر على هيئة مشاكل متكررة مع العملاء يتم "التعايش" معها بدلاً من حل جذورها، وربما في اعتياد الأخطاء حتى تصبح جزءاً من ثقافة العمل، وقد يصل الأمر إلى مناقضة أخلاقيات العمل عبر تنازلات صغيرة تتراكم لتصبح فساداً مؤسسياً، وأحياناً أخرى في التقادم وعدم مسايرة التقدم والتحديث.

النتائج قد تكون خسائر كارثية، والاستدراك حينها سيكون شاقا وعسيرا ومكلفا، وإيجاد الحلول يتطلب عمليات جراحية قاسية ومؤلمة. وهنا يبرز نموذج "نوكيا" كمثال عالمي على ذلك؛ فقد كانت متسيدة الساحة التقنية بهواتفها المميزة، لكن المشكلة التي ظهرت لم تكن فيما "فعلته" نوكيا من خطأ جسيم مباشر، وإنما فيما "لم تفعله". فبينما كان العالم يتغير، ظهرت تقنيات وتسهيلات وتفضيلات جديدة للمستخدمين لدى منتجين آخرين، وغابت هذه التحولات عن رادار نوكيا التي كانت تستمتع بدفء "السيادة" وتتكيف مع المتغيرات ببطء شديد. وعندما وصلت حرارة السوق إلى نقطة الغليان، لم تسعفها "عضلات القفز" لاستعادة مكانتها، فقد فات الأوان.

إن القائد اليقظ هو من يدرك أن "الاستقرار الزائف" قد يكون مقدمة للغليان. إن القدرة على القفز ليست مهارة تُستدعى وقت الأزمات فقط، بل هي "جاهزية دائمة" تتطلب مراقبة دقيقة لميزان الحرارة المؤسسي، فالمؤسسات لا تنهار لأنها واجهت تحديات صعبة، بل لأنها استنزفت طاقتها في "التكيف مع الخطأ" حتى فقدت القدرة على صناعة التغيير.

 

أخوكم

الدكتور المهندس عبدالله بن دخيل الله الحارثي

تعليقات

  1. مقال مميز أستاذنا وفعلاً بعض المنظمات الكبيرة التي لم تحسب حساب هذه الظاهرة تعيش مرحلة الغليان هذه وإن لم تستجمع قواها الآن وتقفز ستعيش نفس النهاية.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكاية "الانطلاق" الذي لم يبدأ

الطواقي الست