الطواقي الست

بعيدا عن تهكمات المشجعين الرياضيين، هناك نظرية إدارية اسمها القبعات الست، وهي نظرية في منهجية التفكير المتوازي، وضعها الطبيب إدوارد دي بونو (Edward de Bono)، وهي من أقوى الأدوات المنهجية التي تخدم فكرة "إدارة التوترات" وتحويلها من "خلاف" إلى "اختلاف" منتج.

في اجتماعات العمل وفي الوضع الطبيعي أن يكون هناك طرح لفكرة أو مشكلة، في العادة أن مدير الاجتماع يريد أن يسمع آراء أعضاء الفريق في هذا الموضوع، يبدأ النقاش بعبارات هادئة، ثم تتحول إلى عبارات تصادمية لإثبات وجهات النظر، ثم تتصاعد اللهجة إلى شخصنة الاختلاف وتحويله إلى خلاف ونفرة وصدود وقطيعة وعداوة.

دعونا نحلل الموضوع نفسيا، سنجد أن ما يحدث في تلك الاجتماعات ليس صراعاً على "أفضلية الفكرة"، بل هو صراع على "حماية الأنا" (Ego Defense). حين يطرح الموظف فكرة ما، فإنه لا شعورياً يدمج ذاته بها، فإذا انتقدها زميله، استقبل العقل هذا النقد وكأنه هجوم شخصي، مما يُفعِّل "استجابة المواجهة أو الهروب" (Fight or Flight). وهنا، يتوقف العقل عن التحليل المنطقي ويبدأ في التحصن خلف "الخلاف" المذموم.

من هنا تأتي عبقرية دي بونو في تحويل المسار من التفكير المتصادم إلى التفكير المتوازي. في الحالة التقليدية، يتبنى كل شخص "قبعة" فطرية تعبر عن نمطه الشخصي؛ فهناك "الناقد بطبعه" (القبعة السوداء دائماً)، و"العاطفي بطبعه" (القبعة الحمراء دائماً). حين يجتمع هؤلاء دون منهجية، يحدث الارتباك الذهني؛ لأن كل شخص يغرد في تردد موجي مختلف، مما يؤدي إلى:

  •  الشخصنة: "هو لا يرفض الفكرة، هو يرفضني أنا".
  •  التخندق: التمسك بالرأي لمجرد عدم الرغبة في "الهزيمة" أمام الفريق.
  •  تبديد الطاقة: استهلاك الجهد في "الجدل" بدلاً من "الاستكشاف".

القبعات الست تنظم هذا التباين، في إدارة الاجتماع بالقبعات الست تتم عبر "التسلسل" (Sequencing):

  •  القبعة الزرقاء (المدير): يفتتح الاجتماع ويضع الجدول.
  •  الجميع يرتدي البيضاء (الحقائق): لتبادل المعلومات المتاحة.
  •  الجميع يرتدي الحمراء (المشاعر): للتعبير عن مشاعرهم وحدسهم تجاه الموضوع دون الحاجة لتبرير.
  •  الجميع يرتدي الخضراء (الإبداع): لتوليد حلول.
  •  الجميع يرتدي الصفراء (التفاؤل): لذكر مزايا هذه الحلول.
  •  الجميع يرتدي السوداء (النقد): لتمحيص المخاطر.

النظرية هنا لا تطلب من الموظف أن يغير طبعه، بل تطلب منه "تغيير مسار تفكيره مؤقتاً". وعندما يرتدي الجميع نفس القبعة في ذات الوقت، يحدث تحول نفسي عجيب:

·       تحييد الذات: حين يطلب المدير من الجميع لبس "القبعة السوداء" لذكر العيوب، فإن الشخص "المتفائل" لن يشعر بالخجل من ذكر السلبيات، والشخص "صاحب الفكرة" لن يشعر بالإهانة، لأن "الكل الآن يمارس النقد كواجب وظيفي لا كخصومة شخصية".

·       الأمان النفسي: توفر هذه المنهجية غطاءً شرعياً ومنهجياً لكل أنواع التفكير؛ فالعاطفي يجد مساحة في "القبعة الحمراء" ليقول "أنا لا أشعر بالارتياح" دون أن يُطالب بدليل منطقي، والمبدع يجد مساحته في "الخضراء".

هذا التحليل النفسي يعيدنا لجوهر توجيه النبي محمد صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: «وتطاوعا ولا تختلفا». فالخلاف المذموم شرعاً هو ذاك الناتج عن "البغي" و"الهوى" (الأنا)، أما "التطاوع" فهو قمة النضج النفسي؛ حيث ينحي الفرد انتصاره لذاته جانباً ليمارس مع الفريق "التفكير المتوازي" للوصول إلى المصلحة العامة.

إنها في الحقيقة ليست مجرد "طواقي" نرتديها، بل هي "ضبط لبوصلة العقول"؛ لكيلا تتحول قاعات الاجتماعات إلى ساحات تصفية حسابات، بل تبقى منابر لتلاقح الأفكار، حيث نختلف "مهنياً" لنرتقي، ولا نختلف "نفسياً" لنفترق.


أخوكم

د.م. عبدالله بن دخيل الله الحارثي

20 شعبان 1447هـ


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكاية "الانطلاق" الذي لم يبدأ

الضفادع المغلية