قراءة في نفسية الزبون: وهمُ الانتصار | قصة قصيرة

قراءة في نفسية الزبون: وهم الانتصار

سلسلة قصصية في أخلاقيات التسويق

 



في قلب السوق التجاري النابض بالحركة، كان "أبو صالح" التاجر الثلاثيني يقف خلف واجهة محلّه الصغير لبيع العطور الفاخرة والزيوت العطرية النقية، والوجوم يكسو وجهه وهمُّ اكتساب المعيشة يطغى عليهصنع "أبو صالح" بتركيبة خاصة خلاصة عطرية فريدة، عبّأها في زجاجات زرقاء أنيقة تتسع لـ (100 مل)، ووضع لها سعراً كان يظنه عادلاً يناسب جودتها: 70 ريالاً. كان يعلم أن العطر يستحق، لكن الأيام مرت والزجاجات الزرقاء مصفوفة على الرفوف كالجنود المهجورين، الغبار يعلوها، وحركة البيع شبه منعدمة. الزبائن يلقون نظرة عابرة، يجدون السعر مرتفعاً بالنسبة لمنتج جديد، ثم يرحلون. راودته فكرة تخفيض السعر مراراً، لكنه كان يخشى أن يلتهم التخفيض هامش ربحه القليل.

وبينما هو كذلك دخل عليه ذات يوم صديقه "خالد"، وهو مستشار تسويقي محنّك، رأى الخيبة في عيني صديقه، ونظر إلى الرفوف المكدسة.

ابتسم خالد وقال:

"يا أبا صالح، بضاعتك ممتازة، لكنك تخاطب عقول الزبائن بالمنطق، والناس في السوق لا يقودهم المنطق، بل تقودهم العاطفة والمقارنة. دعني أعيد صياغة اللعبة". 

طلب خالد من أبي صالح إحضار زجاجات صغيرة، وعبّأ فيها نصف الكمية تماماً (50 مل) من نفس العطر. 

ثم قال له: "الآن، ضع هذه الزجاجة الصغيرة بجانب الكبيرة، واكتب على الصغيرة: 50 ريالاً، واترك الكبيرة كما هي بـ 70 ريالاً". 

نظر إليه أبو صالح بذهول واعتراض: "ماذا تفعل يا خالد؟ إذا كان الناس قد زهدوا في الكبيرة بـ 70، فهل سيشترون نصفها بـ 50؟ هذا غير منطقي، سيتهمونني بالجشع!".

رد خالد بثقة: "افعل ما أخبرتك به، وراقب لغة العيون".

في صباح اليوم التالي، وقف أبو صالح يترقب. دخل زبون يبحث عن عطر لافت. اقترب من المنصة، فوقعت عيناه على الزجاجتين الصغيرتين مصفوفة بجانب الكبيرة. تفرّس في اللوحات الإرشادية: الصغيرة (50 مل) بـ 50 ريالاً. الكبيرة (100 مل) بـ 70 ريالاً. بدأت محركات الدماغ لدى الزبون تعمل بسرعة. 

حسبها في ثوانٍ: "إذا اشتريت زجاجتين صغيرتين لأحصل على 100 مل، سأدفع 100 ريال. لكن البائع يتيح لي الحصول على نفس الـ 100 مل في الزجاجة الكبيرة بفارق 20 ريالاً فقط عن الصغيرة! يا لها من صفقة لا تُفوت!". 

التمعت عينا الزبون ببريق الانتصار، وشعر بأنه أكثر ذكاءً من البائع، وأنه قنص فرصة العمر. التفت إلى أبي صالح وقال بلهفة مستعجلة: "أعطني الزجاجة الكبيرة ذات السبعين ريالاً.. بسرعة قبل أن تغير رأيك!". 

انفرجت أسارير أبي صالح وهو يمد يده بالزجاجة الزرقاء الكبيرة. ومع مرور الساعات، تكرر المشهد بحذافيره مع عشرات الزبائن. الجميع كان يتجاهل الزجاجة الصغيرة ذات الخمسين ريالاً، ويهرعون بذهنية "المنتصر" لشراء الزجاجة الكبيرةمع إغلاق المحل مساءً، كانت الرفوف قد خلت تماماً من الزجاجات الكبيرة، وامتلأ صندوق المحاسبة بالمال لأول مرة منذ أشهر. 

جلس أبو صالح يتأمل الزجاجات الصغيرة المتبقية، والتي لم يبع منها واحدة، وأدرك حينها الخدعة الكبرى: هذه العبوات الصغيرة لم تُصنع لتباع أبداً.. لقد ولدت فقط لتموت، لتكون "طُعماً" يجعل من السعر القديم صيداً ثميناً في عين الزبون.

    لكن سؤالا عميقا ظل يراوده، هل ما فعلتُه كان أخلاقياً؟!

 

أخوكم

د.م. عبدالله بن دخيل الله الحارثي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شكراً لكم أيُّها المَنْسِيُّون

ألعب ... وإلا أخرب؟!

الضفادع المغلية