قصة قصيرة: القشرة واللب
قصة قصيرة: القشرة واللب
عبدالله بن دخيل الله الحارثي
دخل المراجع إلى صالة خدمة العملاء، واتجه إلى موظف الاستقبال.
المراجع: السلام عليكم
موظف الاستقبال: وعليكم السلام
المراجع: عندي معاملة لديكم ودي أعرف إيش صار عليها
أشار الموظف إلى جهاز الأرقام دون أن يرفع رأسه كثيرًا: خذ رقم واستريح.
المراجع سحب رقماً من بكرة الأرقام (1056) طالع شاشة الأرقام قرأ (الرقم في الخدمة الآن 1023) فكّر، يقول باقي 33 عميل، يتجه مباشرة إلى منطقة الانتظار "جميع الكراسي مشغولة" يبقى واقفا بضعة دقائق، رن هاتف أحد المراجعين فخرج من الصالة، فانقض على كرسيه قبل أن يسبقه إليه أحد.
ينتظر وينتظر، تمر الدقائق تلو الدقائق، ولا تتحرك الأرقام، نظر إلى مكاتب الخدمة. كانت هناك ثمانية مكاتب، لكن ثلاثة منها فقط يعمل خلفها موظفون. أما الخمسة الأخرى فكانت كراسيها فارغة.
مرت عشر دقائق الرقم أصبح "1024"، يعني أنني يجب أن أنتظر 320 دقيقة، يسأل نفسه 320 دقيقة كم ساعة؟! أراد أن يخرج الجوال ويحسبها لكنه ترك الفكرة لأنه شعر أنها فكرة مخيفة.
طال به الجلوس. أراد أن يقف ويتمشى قليلًا، لكنه كان يخشى أن يفقد كرسيه. وبعد تردد قرر المخاطرة، وفي ثواني طار الكرسي لعميل آخر.
اقترب من موظف الاستقبال وقال: ياخي، زحمة! كل يوم وأنتم كذا؟
هز الموظف رأسه: تقريبًا. قالها بهدوء شديد، وكأن ازدحام الصالة أصبح جزءًا طبيعيًا من أثاث المكان.
رأى في زاوية الصالة مكتب مدير خدمة العملاء بواجهة زجاجية جميلة، المكان مرتب وجميل، الموظفين يرتدون زيا موحدا، يوجد ركن للشاهي والقهوة، الجدران مطلية بألوان زاهية، يوجد صورة كبيرة تزين أحد الجدران، فيها ألوان ممتزجة مع بعضها بطريقة ساحرة، رأى أنها تمثل النظر إلى المستقبل، هكذا توقع، يوجد أوراق موزعة بانتظام على الطاولات تعرف بخدمات المنشأة، ولوحات معلقة في السقف فوق كل مكتب تصف آلية تقديم الخدمة، على كل مكتب جهاز كمبيوتر وطابعة متعددة الاستخدامات وجهاز بصمة، وفي جيب كل موظف بطاقة تعرف به مكتوب عليها بخط بارز "نحن في خدمتك" ، المكان هادئ إلا من أصوات همسات المراجعين وأصوات الطابعات والأقلام والكراسي، الجميع ينتظر دوره.
وهو يتجول في الصالة الكبيرة وقعت عيناه على لوحة ذهبية كبيرة معلقة بجوار مكتب المدير، اقترب قليلا منها قرأ "سياسة الجودة" وبجوارها لوحة أخرى عليها شعارات كثيرة مرتصة بجوار بعضها البعض "شهادة ISO9001-2015" "حاصل على جائزة الملك عبدالعزيز للجودة" "حاصل على معيار المنظمة المتعلمة" "اعتماد وفق نموذج التميز المؤسسي EFQM" "حاصل على شهادة BSI Kitemark لتميز الخدمة".
أصبح الرقم الآن "1025"، قرر أن يدخل مكتب المدير، سأل: لو سمحت إيش تعرف عن الجودة؟
ضحك المدير قال: تفضل يا عم كيف أقدر أخدمك؟
المراجع: من جد أسألك إيش هي الجودة؟
المدير: الجودة طال عمرك هي الالتزام بالإجراءات والعمليات.
المراجع: آسف هذا ليس تعريفا لروح الجودة وإنما لشكلها، الجودة هي أن تقدم خدمة تليق بعملائك وتحقق تطلعاتهم وأمنياتهم.
المدير: هذا تعريف آخر للجودة.
المراجع: لا، هذا هو محور الجودة ولبها وأساسها، يعني هل تريد أن تقنعني أن تلوين الجدران وتنظيم الأوراق والشاشات هو الجودة بينما لا يوجد إلا ثلاثة موظفين يخدمون هذا العدد الكبير من العملاء لدرجة أن يتكدس عندكم المراجعين بهذا الشكل كل يوم وهذا الرجل المسن عند الباب لا يجد له كرسي يجلس عليه.
سأل المراجع: يا سعادة المدير، تعرف أين المشكلة؟
المدير: أين؟
المراجع: عندما نصمم الجودة من وجهة نظر المنشأة، لا من وجهة نظر العميل.
سكت المدير.
واصل المراجع: كثير من المنشآت تضبط إجراءاتها ونماذجها وأنظمتها، ثم تعتقد أنها حققت الجودة. لكن السؤال الحقيقي: هل جعلت حياة العميل أسهل؟
اقترب من المكتب وقال: خذ المنصات الإلكترونية مثالًا. تبني كثير من المنشآت منصة لاستقبال طلبات العملاء، لكنها تصممها بما يناسب إجراءاتها هي. يدخل العميل في خطوات طويلة، ويرفع مستندات، ويختار تصنيفات قد لا يفهمها، وبعض الناس يضطرون إلى الذهاب إلى محلات متخصصة فقط ليساعدوهم على تقديم الطلب وقد تستغل جهلهم أحيانا!
رفع المدير حاجبيه.
يتابع المراجع: ثم يصل الطلب إلى موظف خلف الشاشة، فيجد فيه نقصًا بسيطًا فيرفضه مباشرة دون أي اعتبار للجهد المبذول والوقت الضائع.
المدير: إذا كان ناقصًا، ماذا يفعل؟
المراجع: هنا الجودة!
صمت المدير ينتظر.
المراجع: لماذا ترفض الطلب وتنهي الموضوع؟ لماذا لا تقول للعميل ما الناقص بالضبط، ثم تعيد له الطلب ليستكمله؟ لماذا تجعله يبدأ من جديد؟ وفي النهاية يضطر إلى الحضور إلى المنشأة ليسأل لماذا رُفض طلبه، فما فائدة المنصة من الأساس؟
لم يجب المدير.
قال المراجع: الجودة ليست أن تقول: «طبقت الإجراء». الجودة أن تسأل: «ماذا كانت نتيجة الإجراء على العميل؟»
أضاف: إذا كانت الخدمة تحتاج في حقيقتها إلى إجراء واحد، فلماذا نجعلها ثلاثة؟ وإذا كانت تحتاج إلى إجراءين، فلماذا نجعلها أربعة؟ كل خطوة لا تضيف قيمة للعميل نحتاج أن نسأل أنفسنا: لماذا هي موجودة أصلًا؟
ثم أشار إلى الصالة خلف الزجاج: البيئة التي تحقق الجودة الحقيقية بيئة ممكنة وجاذبة، وليست طاردة. العميل لا ينبغي أن يقاتل أنظمتنا حتى يحصل على الخدمة.
صمت المدير لحظة.
ثم نظر عبر الواجهة الزجاجية إلى الصالة المزدحمة.
نظر إلى الرجل المسن الواقف.
وإلى المراجعين المنتظرين.
وإلى الشاشة.
وإلى المكاتب الخمسة الفارغة.
وكأنه يرى المكان للمرة الأولى بعيون المراجع، لا بعيون أدلة الإجراءات.
نظر المراجع إلى لوحة «سياسة الجودة» وأضاف بهدوء: يا بني، الشهادات المعلقة على جدارك تقول إنكم تعرفون كيف تكتبون المعايير، لكن ما يحدث في الصالة يقول إنكم لم تترجموها إلى قيمة حقيقية للمستفيد. الجودة الحقيقية لا تسكن في إطارات اللوحات، بل في تقليص زمن المعاناة، وفي الإجراء الذي تختصره، وفي المشكلة التي تمنع حدوثها، وفي الخدمة التي يستطيع الحصول عليها بسهولة وكرامة، وفي حضور الموظفين الخمسة الغائبين خلف تلك المكاتب الشاغرة.
يا بني العمل الذي تقومون به عمل جليل وخدمة عظيمة للناس قد يكون من أعظم أبواب الأجر والثواب عند الله إذا خلصت النيات وأحسنتم أداءه.
ابتسم المدير ابتسامة خلت هذه المرة من الرسمية.
وقال: أصبت يا عم... ما فائدة ضبط العمليات إذا كانت النتيجة النهائية عميلًا محبطًا؟
سحب ورقة بيضاء من أمامه، وأمسك بالقلم.
توقف للحظة.
كان على وشك أن يكتب:
«كيف نحسن إجراءاتنا؟»
لكنه تراجع.
رفع رأسه نحو المراجع وابتسم، ثم كتب:
«كيف نحقق طموحات عملائنا؟»
نظر المراجع إلى العبارة وقال: الآن... بدأت الجودة.
وعلى الجدار خلفهما، بقيت الشهادات في مكانها.
لكن السؤال الذي كُتب على الورقة كان أهم منها جميعًا.
فالجودة لا تبدأ من القشرة... بل من اللُّب.
تعليقات
إرسال تعليق