المشاركات

الحرب العالمية الدائمة

صورة
    يظل فهم طبيعة الناس من أصعب وأعقد الأمور التي تواجه القادة والمربين على حد سواء؛ فالنفس البشرية ليست آلة بسيطة يمكن توقع حركتها بضغطة زر، بل هي منظومة معقدة تتصارع فيها القوى ليل نهار. في الحقيقة، نحن لا نتفاعل مع الأحداث من حولنا بعشوائية أو بمحض الصدفة، بل إن محركنا الحقيقي هو "القيم" المترسخة في أعماقنا. القيم هي "الخزان" الذي يدفع ويحرك السلوك ؛ فالشخص الذي تتجذر فيه قيمة "العطاء" تصبح هذه القيمة هي المحرك الذاتي والدافع التلقائي للبذل والصدقة. لكن واقعياً، لا يسير الأمر داخل النفس بهذه البساطة؛ فالسلوك البشري هو في الحقيقة "النتيجة العملية لصراع جماعي" بين مجموعة ضخمة من القيم داخل النفس. هذا الصراع لا يقتصر على القيم المتضادة فقط (مثل العطاء والبخل)، بل هو اشتباك بين قيم مباشرة مرتبطة بالموقف، وقيم غير مباشرة تسكن في عمق اللاشعور بعضها فطري وبعضها مكتسب. تأمل هذا المشهد في بيئة العمل الوظيفية: أمين صندوق يجد أمامه ثغرة رقابية تمكنه من تحقيق مكسب شخصي لن يكتشفه أحد. في تلك اللحظة، تبدأ "معركة صامتة" داخل نفسه؛ تتصارع...

الضفادع المغلية

صورة
 28 شعبان 1447هـ كتبت في مقالة سابقة عن الطواقي الست، حذرني أحد الأصدقاء أن المقالة ستلامس جراحاً لدى بعض " المشجعين الرياضيين "، فبررت له أن المقالة متخصصة في " الشأن الإداري " وأنني لا أتحدث عن الرياضة لا من قريب ولا بعيد، ولست من متابعيها الشغوفين، لانشغالي عنها، أسمع نقاشاتهم الحادة في بعض المجالس إلا أنني لا أعيرها اهتماما، ومع أنني بررت في تلك المقالة عن هذا المعنى أعيد هنا نفس التبرير، الموضوع له ارتباط بمفهوم إداري ولا يمس أي معنى يدور بين المشجعين ولا أصطف مع أي طرف منهم . تقول الأسطورة؛ يُحكى أنَّ شخصاً أراد عمل تجربة، فأتى بماء مغلي ورمى فيه ضفدعاً ، فور ملامسته للماء انتفض وقفز بكل قوته خارج الإناء لينجو بنفسه في أجزاء من الثانية. أعاد الشخص التجربة بطريقة أخرى؛ فأتى بماء بارد في إناء، ووضع فيه ضفدعاً آخر، فاسترخى الضفدع وبدأ يسبح بهدوء واستمتاع. ثم أشعل الشخص ناراً تحت الإناء، وبدأت درجة الحرارة ترتفع ببطء. كان الضفدع يشعر بالدفء يزداد شيئاً فشيئاً، فكان يتكيف مع كل درجة حرارة جديدة ويوائم حرارة جسده معها. استمرت الحرارة حتى وصل الماء لمرحلة الغليان، ...

بالله! أي نوع من الناس أنت: س أم ص؟

صورة
   26 شعبان 1447هـ   في علم النفس السلوكي، يمكن فهم سلوك الأفراد من خلال منطلقين أساسيين للدوافع بناءً على مصدر محركهم القلبي والعملي، وذلك بحسب "نظرية تقرير المصير" ( Self-Determination Theory - SDT ) لكل من إدوارد ديسي وريتشارد ريان ( Deci & Ryan ) . ولتبسيط مفهوم النظرية يمكننا أن نتساءل: لماذا ينهض البعض منا بحماس لمواجهة تحديات يومه، بينما يسحب البعض الآخر أقدامه بتثاقل نحو العمل أو الدراسة؟ قدمت نظرية تقرير المصير مفتاحاً لهذا اللغز عبر فهم الدافعية الذاتية للدراسة والعمل وغيرهما. حيث تمثل هذه الدافعية في الحقيقة "مرآة" تعكس نظرتنا لأنفسنا وقدراتنا. دعونا نرمز للثاني (المتثاقل) بحرف س ، وللأول (المتحمس) بحرف ص .   أولاً: هل أنت من الفئة س ؟ (عقلية الانضباط الخارجي) إذا كنت تشعر أنك لا تتحرك إلا تحت ضغط المواعيد النهائية، أو أنك تحتاج دائماً لـ "رقيب" يوجهك، فقد تكون ميالاً للنموذج ( س ). ·       الرؤية للعمل: عبء ثقيل يجب التخلص منه أو أداؤه بالحد الأدنى. ·       الدافع: الخوف من العقاب...

الطواقي الست

صورة
بعيدا عن تهكمات المشجعين الرياضيين، هناك نظرية إدارية اسمها القبعات الست ، وهي نظرية في منهجية التفكير المتوازي، وضعها الطبيب إدوارد دي بونو ( Edward de Bono )، وهي من أقوى الأدوات المنهجية التي تخدم فكرة "إدارة التوترات" وتحويلها من "خلاف" إلى "اختلاف" منتج . في اجتماعات العمل وفي الوضع الطبيعي أن يكون هناك طرح لفكرة أو مشكلة، في العادة أن مدير الاجتماع يريد أن يسمع آراء أعضاء الفريق في هذا الموضوع، يبدأ النقاش بعبارات هادئة، ثم تتحول إلى عبارات تصادمية لإثبات وجهات النظر، ثم تتصاعد اللهجة إلى شخصنة الاختلاف وتحويله إلى خلاف ونفرة وصدود وقطيعة وعداوة. دعونا نحلل الموضوع نفسيا ، سنجد أن ما يحدث في تلك الاجتماعات ليس صراعاً على "أفضلية الفكرة"، بل هو صراع على "حماية الأنا" ( Ego Defense ). حين يطرح الموظف فكرة ما، فإنه لا شعورياً يدمج ذاته بها، فإذا انتقدها زميله، استقبل العقل هذا النقد وكأنه هجوم شخصي، مما يُفعِّل "استجابة المواجهة أو الهروب" ( Fight or Flight ). وهنا، يتوقف العقل عن التحليل المنطقي ويبدأ في التحصن خل...

فخ الامتثال

صورة
  رؤية هندسية لمنظومة الحوكمة المؤسسية   مرةً، ذكر لنا أحد خبراء هندسة العمليات أنهم نجحوا في تقليص مدة اعتماد المشاريع في إحدى الشركات من ستة أشهر إلى ثلاثة أيام فقط. لم يكن ذلك عبر أتمتة معقدة أو إعادة هيكلة جذرية، بل من خلال اكتشاف بسيط ومؤلم في آن واحد: أن المعاملات كانت تتكدس لفترات طويلة على مكتب رئيس الشركة بانتظار توقيع " شكلي " لا يضيف قيمة حقيقية للقرار. هذا التوقيع، رغم كونه إجراءً روتينيًا لا يُغيّر من جوهر المشروع، تحوّل إلى عنق زجاجة ابتلع الزمن والجهد، وأصبح رمزًا لتعطّل العمل تحت مظلة " الامتثال " . هذه القصة المختصرة لا تروي حالة استثنائية، بل تكشف نمطًا متكررًا في عالم الإدارة الحديثة، حيث أصبحت " درجة الحوكمة " هي الكلمة السحرية التي تفتح أبواب الثقة والمصداقية. غير أن التدقيق في كواليس المؤسسات يكشف عن ظاهرة مقلقة بدأت تلتهم حيوية المنظمات، وهي ما يمكن تسميته بـ " فخ الامتثال " . هذا الفخ يُنصَبُ حين تتحول الأداة الرقابية من وسيلة لحماية النمو إلى غاية في حد ذاتها ، ويصبح معها النجاح الإداري محصورًا في " سلامة ...

تأصيل الحوكمة: التفكيك قبل المحاكمة

صورة
  يحكي لي أبي عن جده لأمه "جمعان" أنه كان يرعى شؤون ابن أخيه المتوفى (يتيم)، وكان إذا حرث أرض ابن أخيه، وأراد أن يخرج منها، يضرب على قدميه وينفضهما قبل أن يخرج، يزيح عنهما التراب العالق، لكيلا ينقل شيئا من التراب إلى أرض غيره، وله قصص أخرى عجيبة في هذا الجانب. هذه القصة ليست مجرد حكاية عابرة، بل هي " التجسيد الفطري والعميق " لمفهوم الحوكمة قبل أن تُصاغ في لوائح أو قوانين. قصة الجد "جمعان" تضع يدنا على جوهر الحوكمة المعاصرة وهو: " الفصل التام بين المصالح ". من منظور هندسي وإداري، الجد جمعان قام بعملية " عزل مادي ومعنوي " ( Isolation ) لمنع تداخل الأصول، وهو ما نسميه اليوم في الحوكمة بـ " سياسة تعارض المصالح "، لكنه طبقها بوازع من الضمير الذي يسبق الإجراء. وعلى الرغم من وضوح هذا الوازع الأخلاقي في ممارساتنا الفطرية، إلا أن كثيراً من الناس يستصعبون اليوم تمثُّله تحت مسمى ' الحوكمة '؛ ذلك لأن المصطلح اللغوي ذاته لا يدل دلالة مباشرة على المعنى المقصود، هذا المصطلح (الحوكمة) هو ترجمة نحتية لكلمة ( Gubernare ) اللات...