تأصيل الحوكمة: التفكيك قبل المحاكمة
يحكي لي أبي عن جده لأمه "جمعان"
أنه كان يرعى شؤون ابن أخيه المتوفى (يتيم)، وكان إذا حرث أرض ابن أخيه،
وأراد أن يخرج منها، يضرب على قدميه وينفضهما قبل أن يخرج، يزيح عنهما التراب العالق، لكيلا ينقل
شيئا من التراب إلى أرض غيره، وله قصص أخرى عجيبة في هذا الجانب.
هذه القصة ليست مجرد حكاية عابرة، بل
هي "التجسيد الفطري والعميق" لمفهوم الحوكمة قبل أن تُصاغ
في لوائح أو قوانين. قصة الجد "جمعان" تضع يدنا على جوهر الحوكمة المعاصرة وهو: "الفصل التام بين المصالح".
من منظور هندسي وإداري، الجد جمعان قام
بعملية "عزل مادي ومعنوي" (Isolation) لمنع تداخل الأصول، وهو ما نسميه اليوم في
الحوكمة بـ "سياسة تعارض المصالح"، لكنه طبقها بوازع من الضمير
الذي يسبق الإجراء.
وعلى الرغم من وضوح هذا الوازع الأخلاقي في ممارساتنا الفطرية، إلا أن كثيراً من الناس يستصعبون اليوم تمثُّله تحت مسمى 'الحوكمة'؛ ذلك لأن المصطلح اللغوي ذاته لا يدل دلالة مباشرة على المعنى المقصود، هذا المصطلح (الحوكمة) هو ترجمة نحتية لكلمة (Gubernare) اللاتينية الأصل، كما أشار إلى ذلك كثيرٌ من الأكاديميين العرب (مثل دراسات الدكتور زكي بدوي في المصطلحات الإدارية، أو مجمع اللغة العربية في مناقشة تعريب المصطلحات)، أشارو إلى أن ترجمة Gubernatio عانت من "اضطراب اصطلاحي"، حيث تُرجمت تارة بـ "الحكمانية"، وتارة بـ "الإدارة الرشيدة"، وتارة بـ "الحوكمة". وهو
مصطلح "هجين" لغوياً لا يملك جذوراً ضاربة في الوجدان العربي
الشعبي، مما يجعله يبدو "نخبوياً" أو "مستورداً". كلمة "حوكمة" توحي
لغير المختص بـ "التحكم" أو "الحكومة" أو
"القيد".
تكمن المفارقة في أن فعل الجد جمعان رحمه الله - على عمقه - يبدو بسيطاً ومفهومًا للجميع تحت مسمى 'براءة الذمة'، بينما يستصعب الناس فهم ذات الفعل حين يُغلف بقالب 'الحوكمة' البارد. المشكلة ليست في الحوكمة كمفهوم إداري ضابط، بل في قشورها اللفظية التي حالت بين الناس وبين إدراك جوهرها الأصيل؛ فالحوكمة في حقيقتها هي 'هندسة للأمانة' التي مارسها أجدادنا بفطرتهم تحت مسميات كـ (الورع وبراءة الذمة)؛ غير أن هذه الأمانة لا تكتمل في سياق المؤسسات بمجرد النوايا أو شعارات 'النزاهة' المجردة، بل من خلال تحويل تلك القيم إلى إجراءات عملية تضمن عدم تداخل المصالح الشخصية مع المصالح المؤسسية.
ببساطة،
الحوكمة هي أن تكون راعيا أمينا على حقوق الآخرين، ومسؤولا عن نتائج أفعالك
أمامهم، ومتقبلا لفكرة المساءلة سواء باختيار منك أو باختيار منهم.
وإذا كان هذا هو جوهر الحوكمة كما
مارسه الجد جمعان بالفطرة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كيف تحولت هذه القيمة
البسيطة إلى منظومات معقدة قد تُفرغها من معناها؟ وهنا قد نبدأ حديثاً آخر
عن فخ الامتثال.
بقلم:
د. م. عبدالله بن
دخيل الله الحارثي
تعليقات
إرسال تعليق