فخ الامتثال

 

رؤية هندسية لمنظومة الحوكمة المؤسسية 

مرةً، ذكر لنا أحد خبراء هندسة العمليات أنهم نجحوا في تقليص مدة اعتماد المشاريع في إحدى الشركات من ستة أشهر إلى ثلاثة أيام فقط. لم يكن ذلك عبر أتمتة معقدة أو إعادة هيكلة جذرية، بل من خلال اكتشاف بسيط ومؤلم في آن واحد: أن المعاملات كانت تتكدس لفترات طويلة على مكتب رئيس الشركة بانتظار توقيع "شكلي" لا يضيف قيمة حقيقية للقرار. هذا التوقيع، رغم كونه إجراءً روتينيًا لا يُغيّر من جوهر المشروع، تحوّل إلى عنق زجاجة ابتلع الزمن والجهد، وأصبح رمزًا لتعطّل العمل تحت مظلة "الامتثال".


هذه القصة المختصرة لا تروي حالة استثنائية، بل تكشف نمطًا متكررًا في عالم الإدارة الحديثة، حيث أصبحت "درجة الحوكمة" هي الكلمة السحرية التي تفتح أبواب الثقة والمصداقية. غير أن التدقيق في كواليس المؤسسات يكشف عن ظاهرة مقلقة بدأت تلتهم حيوية المنظمات، وهي ما يمكن تسميته بـ "فخ الامتثال". هذا الفخ يُنصَبُ حين تتحول الأداة الرقابية من وسيلة لحماية النمو إلى غاية في حد ذاتها، ويصبح معها النجاح الإداري محصورًا في "سلامة الأوراق" بدلاً من "جودة المخرجات" وكفاءة الأداء.

من منظور هندسي، يمكن النظر إلى الإجراءات والسياسات داخل المنظمة بوصفها "مقاومة" في دائرة تشغيلية؛ فالمقاومة ضرورية للتحكم وضمان استقرار النظام، ولكن زيادتها عن حدها الهندسي المطلوب تؤدي حتمًا إلى هدر الطاقة وتحولها إلى "حرارة" تظهر في صورة صراعات داخلية، وتعقيدات بيروقراطية، ومطالبات إدارية لا تنتهي، بدلًا من أن تتحول تلك الطاقة إلى "شغل نافع" يحقق أهداف المنظمة. إن الإغراق في تفاصيل الحوكمة الورقية لا يضمن بالضرورة حماية المنظمة من الانحرافات، بل قد يخلق بيئة من "الشلل الإداري" الذي يقتل روح المبادرة والابتكار.

ويمتد هذا الخلل ليصل إلى جذور "تصميم النظم" الإدارية، حين تُفرض نفس أحمال الحوكمة ومعاييرها المتشددة على كيانات متفاوتة في الحجم والمخاطر. إن محاولة تطبيق مقاس واحد على الجميع تمثل خطأً بنيويًا فادحًا؛ فالكيانات الناشئة تختنق تحت وطأة متطلبات لا تناسب حجمها ورشاقتها، بينما قد تظل المعايير العامة غير كافية لحماية الموارد الضخمة في الشركات والمنظمات الكبرى. من هنا تبرز الحاجة إلى مفهوم "الحوكمة المتدرجة" التي تتسع وتضيق بناءً على حجم المخاطر والموارد، تمامًا كما تتفاوت سعة الموصلات الكهربائية وفق الأحمال التي تغذيها، لضمان تدفق العمل بسلاسة وأمان.

إن الخروج من فخ الامتثال يتطلب شجاعة لإعادة هندسة العمليات، والتحول من حوكمة "المستند" إلى حوكمة "الأداء والأثر". فالحصول على الدرجة الكاملة في مؤشرات الامتثال لا يُعد إنجازًا إذا كان ثمنه بطء القرار، وارتفاع تكلفة التشغيل، وإحباط المبدعين. الحوكمة الحقيقية هي تلك التي تعمل كنظام تتبع ذكي، يمنح الحرية للحركة، ويطلق الإنذار فقط عند الخطر الحقيقي، وتغرس الشفافية كقيمة أصيلة في ثقافة المنظمة، قبل أن تكون مجرد ملفات مصفوفة على الأرفف بانتظار لجان التدقيق.

فحين يتحول الامتثال من وسيلة إلى غاية، تصبح الحوكمة عبئًا لا حماية، وتغدو الإجراءات حارسًا للورق لا للأداء. 

 

بقلم:

د. م. عبدالله بن دخيل الله الحارثي

 6 شعبان 1447هـ

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكاية "الانطلاق" الذي لم يبدأ

هندسة النية

كورونا… هل يمكن أن تعود؟