ماذا يحدث في المناطق الرمادية؟
في المقالة السابقة تحدثنا عن "دائرة المسؤولية" وأهمية أن تكون نظيفة وواضحة. لكن، لكي نكون واقعيين في ممارستنا الإدارية، يجب أن نعترف أن هذه الدوائر ليست "صافية" تماماً؛ فهناك مساحات تخلو من الوضوح، وهي ما نسميها "المنطقة الرمادية".
لكي نفهم هذه المنطقة، يمكننا تقسيم
المسؤوليات في أي منظمة إلى ثلاث مناطق:
المنطقة الأولى (دائرتي): وهي مسؤوليتي
الواضحة والمحددة التي أعرفها جيداً.
المنطقة الثانية (دائرة غيري): وهي
مسؤولية زميلي، الواضحة والمحددة أيضاً.
هاتان
المنطقتان في الغالب أنها تتقاطع ويكون بينهما منطقة مشتركة هي المنطقة
الثالثة (المنطقة الرمادية): وهي تلك المنطقة الوسطى التي لا تتضح فيها المسؤوليات
بدقة.
الموظف التقليدي يرى في عدم وضوح
المهام فرصة للتجاهل أو الهروب، متذرعاً بأنها "ليست من اختصاصي".
وبمرور الوقت، تتحول هذه المنطقة الرمادية إلى فجوة (Gap)
تبتلع الجهود وتعيق تدفق العمل، تماماً كما لو تركنا قطعة ناقصة في لوحة
الفسيفساء.
هذه الظاهرة تواجه ليس بمزيد من
الأوراق والتعاميم، بل بمنهجية إدارية وإيمانية تتلخص في الآتي:
1. وضوح "المالك": إدارياً، لا
يجوز ترك مهمة تائهة في العراء بلا صاحب (Owner)؛ فغياب المالك يعني ضياع الأثر.
2. مبدأ التداخل المدروس: تعزيز مفهوم أن
مسؤوليتك لا تنتهي بانتهاء مهمتك، بل بضمان "الاتصال الفعال" مع الطرف
الآخر. إن دائرة مسؤوليتك تنتهي عند "التأكد من الاستلام" وليس بمجرد
"الإرسال".
3. المبادرة كقيمة عليا: العضو الفاعل لا ينتظر أن تُكتب المهمة في وصفه الوظيفي ليرفعها من
الأرض، بل يبادر لسد الثغرة لأنه يرى اللوحة الكلية للنجاح، وليس قطعته الصغيرة
فقط.
ختاماً.. إذا كانت الرسالة السابقة
تدعوك لتنظيف دائرتك، فهذه الرسالة تدعوك لـ "ردم الفجوة". المنطقة
الرمادية هي الاختبار الحقيقي لنزاهتك المهنية؛ فكونك "قدوة" يعني ألا
تسمح لخلل بالحدوث أمام ناظريك بحجة أنه خارج نطاق مسؤوليتك المكتوبة.
لنكن حراساً لهذه الفراغات، فالبنيان
لا يقوى إلا بتلاحم الأطراف، لا باستقامة المراكز فقط.
أخوكم،
م. عبدالله بن دخيل الله الحارثي
21 رجب 1447هـ
تعليقات
إرسال تعليق