كورونا… هل يمكن أن تعود؟

 



    في الواقع، هذا السؤال يتجاوز حدود البيولوجيا واللقاحات ليصطدم بحقيقة إدارية مُرّة؛ فالأزمات لا تُباغت المنظمات بقدر ما تكشف عورات الثقافة القيادية السائدة. واستخدامنا لـ«كورونا» هنا ليس إلا رمزًا وسياقًا لكل خطر أو تحدٍّ يواجه المؤسسات. فالخطر الحقيقي الذي يهدد الكيانات اليوم لا يكمن في «المجهول القادم»، بل في «المعلوم المتكرر»؛ تلك التحديات التي تعود للظهور بذات السيناريو وبنفس الحيثيات، لتجد أمامها عقلية إدارية لم يتغير فيها سوى التاريخ على التقويم. وهنا تتجسد الفجوة الهائلة بين إدارة المخاطر كدرع استباقي، وإدارة التحديات كاستجابة اضطرارية.

    قبل كورونا، كان الحديث عن الأوبئة يُصنّف غالبًا في خانة المخاطر المحتملة التي قد لا تحدث، وكان التعامل معها أقرب إلى التقدير النظري منه إلى الاستعداد العملي. لكن ما إن انتشر الفيروس حتى تغيّر الخطاب فجأة، وتحولت تلك المخاطر إلى تحديات عاجلة، وبرز السؤال الملح: ماذا نفعل الآن؟ عند هذه النقطة وقع التحول الخطير؛ فشلٌ في إدارة المخاطر أعقبه استنزاف عميق في مواجهة التحديات.

    ومن هنا يبرز لبّ الإشكال. نحن نتعامل في الواقع مع مصطلحين إداريين يُستخدمان أحيانًا بالتبادل بشكل غير دقيق: «المخاطر» و«التحديات». وليس المقصود هنا مجرد فهم الفرق النظري بينهما، بل إدراك طريقة التعامل مع كلٍّ منهما. فالمخاطر تمثل أحداثًا محتملة قد تقع مستقبلًا وتؤثر على النشاط، أما التحديات فهي أحداث وقعت بالفعل وأصبحت تؤثر مباشرة على سير العمل. ولتبسيط المفهوم، عند تصميم مصنع تكون إصابات العمل احتمالًا متوقعًا يدخل ضمن حسابات المخاطر، لكن عند تشغيل المصنع ووقوع إصابة فعلية، تتحول هذه الإصابة إلى تحدٍّ يجب التعامل معه فورًا.

    إذن، إدارة المخاطر، بهذا المعنى، ليست فقط توصيفًا للخطر ولا تعدادًا لاحتمالاته، بل هي عملية منهجية لتحديده وتحليله وتقييمه قبل وقوعه، ثم وضع خطط عملية للحد من آثاره أو منع حدوثه أصلًا. أما إدارة التحديات، فهي التعامل مع المشكلات والعقبات القائمة فعليًا أثناء التنفيذ، والتي تؤثر بشكل مباشر على تحقيق الأهداف. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل إدارة المخاطر تمنع ظهور التحديات؟ الإجابة أن إدارة المخاطر قد تمنع بعض التحديات، وقد تحد من آثار بعضها الآخر، وقد لا تمنعها في حالات معينة، لكن المؤكد أن المخاطر التي لا تُدار جيدًا تتحول غالبًا إلى تحديات فعلية، وأكثر كلفة.

    ولا يعني نقدنا لثقافة الاستغراق في مواجهة التحديات التقليل من أهميتها؛ فإدارة التحديات هي الميدان الحقيقي الذي يصقل مهارات المدير ويختبر مرونته وقدرته على اتخاذ القرار تحت الضغط، وهي مهارة 'بقاء' لا غنى عنها في عالم متغير. لكن الخطورة تكمن في أن يستنزف المدير طاقته في حل المشكلات اليومية المتكررة دون أن يلتفت للمخاطر الكامنة التي تولد هذه المشكلات.

    ونؤكد أن إدارة المخاطر لا تعني أن تكون عالمًا بالخطر أو بارعًا في توصيفه فقط، بل لابد من الانتقال إلى معالجته. وهذا ما نجده جليًا في قصة يوسف عليه السلام عند تعبير الرؤيا؛ إذ لم يكتفِ بتوصيف سنوات الرخاء والجدب، بل قدّم معالجة إدارية صارمة للمخاطر المتوقعة. في هذا الموقف، جسّد نبي الله الكريم دور «مهندس العملية» الذي يمنع وقوع الكارثة قبل وقوعها، لا دور من يتعامل مع نتائجها بعد حدوثها.

    إذا عدنا الآن إلى السؤال: هل يمكن أن تعود كورونا من جديد؟ فالإجابة الصادقة ليست نعم، ولا لا. بل ستعود إن عدنا إلى نفس السلوك الإداري. قد لا تعود بنفس الشكل أو بنفس الاسم، لكنها قد تظهر في صورة وباء جديد، أو أزمة اقتصادية، أو انهيار تقني، أو كارثة بيئية. كلها احتمالات قائمة، ومتوقعة، وبعضها مكتوب بالفعل في تقارير المخاطر حول العالم.

    الخلاصة أن السؤال الحقيقي ليس: هل ستعود كورونا؟ بل: هل تغيّرت الثقافة القيادية التي سمحت بحدوثها؟ لأن العالم الذي لا يتعلم من مخاطره، محكوم عليه أن يواجه تحدياته… مرة بعد مرة وبكلفة أعلى كل مرة.


أخوكم،

د. م. عبدالله بن دخيل الله الحارثي

30 رجب 1447هـ

تعليقات

  1. المقال يلامس جوهرًا مؤلمًا في كثير من البيئات الإدارية التي تُصنَّف ظاهريًا على أنها سليمة أو مستقرة. الخطر لا يأتي فقط من الأوبئة أو الأزمات الكبرى، بل من ممارسات داخلية يومية تُدار بصمت، مثل المنافسات غير الصحية، وكبت المواهب، وتهميش القدرات خوفًا من بروزها أو تهديدها لمراكز قائمة. هذه السلوكيات لا تُدرج غالبًا ضمن سجلات المخاطر، لكنها في الحقيقة مخاطر مؤسسية عميقة، تتراكم ببطء ثم تنفجر في صورة تحديات حادة، كضعف الأداء، وهجرة الكفاءات، وتآكل الثقة، وانهيار روح المبادرة.

    البيئة الإدارية التي لا ترى في الموهبة أصلًا يجب حمايته وتنميته، بل عبئًا أو تهديدًا يجب احتواؤه، هي بيئة تُنتج أزماتها بنفسها. وما يظهر لاحقًا من صراعات داخلية أو فشل في التعامل مع الأزمات الخارجية ليس إلا نتيجة مباشرة لمخاطر تم تجاهلها أو تبريرها تحت مسميات الاستقرار أو الحفاظ على الهيكل القائم

    ردحذف
    الردود
    1. الخطر لا يأتي فقط من الأوبئة أو الأزمات الكبرى، بل من ممارسات داخلية يومية تُدار بصمت 👍🏼

      حذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكاية "الانطلاق" الذي لم يبدأ

هندسة النية