هندسة النية

     



    في منظومة القيم المؤسسية تجد كثيرا من المنظمات تعتمد قيمة الإخلاص في العمل كأحد أهم القيم المؤسسية، وأحيانا تجد اسم المؤسسة أو شعارها المعلن "الأمانة والإخلاص". وهنا يبرز سؤال مشروع، بل وجريء: الإخلاص علاقة خاصة وسرية بين العبد وربه، فما شأنه وشأن الهياكل التنظيمية والمهام الوظيفية؟ لماذا نقحمه في منظومة عمل مؤسسية تُحكم باللوائح والنتائج؟

هل إخلاصي "لله" يؤثر حقاً على أدائي؟ وهل يطالبني النظام بالإخلاص في عمل أتقاضى عليه أجراً مادياً مسبقاً؟ وبأي ميزان نزن هذا الإخلاص؛ هل هو "الولاء الوظيفي" بمفهومه المادي؟ أم أننا نقصد "إخلاصاً" من نوع آخر؟

       عندما نتحدث عن "الإخلاص"، فنحن نتحدث عن صفاء القصد وتجريد النية من شوابّ المصالح العابرة؛ أن يكون المحرك الأساسي لعملك هو ابتغاء مرضاة الله سبحانه، بحيث لا يزيده ثناء الناس ولا ينقصه ذمهم. هو أن تؤدي عملك " بإتقان" كأنك ترى الله، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

الإخلاص هو الشعرة الفاصلة بين الأجر والحرمان، هذا أهم ما في الأمر. وهو الذي يحول الجهد المهني إلى "بركة " يلمسها الموظف في وقته، ورزقه، وصحته، وصلاح أبنائه. والأهم من ذلك، أن الإخلاص يورث صاحبه راحةً وطمأنينةً عجيبة؛ فالمخلص لا يرهقه قلق البحث عن رضا الناس، بل يسكن قلبه ليقينه بمرضاة رب الناس. كما أن هذا الصفاء الداخلي ينعكس حتماً على تحسين سلوكه الخارجي؛ فتجده ألين جانباً، وأكثر بشاشة، وأصدق لهجة، لأن من أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الناس.

أما على مستوى المنظمة، فإن الإخلاص هو الضمان الحقيقي لاستدامة العطاء؛ لأن الموظف الذي يستشعر رقابة الخالق يمتلك دافعاً داخلياً لا ينطفئ. هذا الدافع يحمي المؤسسة من الترهل والاتكال؛ فالجميع يعمل بمعايير "الإحسان" التي تتجاوز مجرد "إسقاط الواجب". المؤسسة المخلصة هي التي يطمئن الجميع لثبات مسارها وقوة انتمائها، حيث لا يتأثر الأداء بغياب الرقيب البشري أو تغير الظروف المادية.

       وهنا، حُقَّ لنا أن نتساءل بصدق: ما الذي يجعلنا نفوت هذا الأجر العظيم؟ ما الذي يمنع الموظف وهو يقدم خدمته للمستفيد أن يحتسب أجر هذا العمل عند الله؟ وما الذي يمنع المدير وهو يرأس اجتماعاً طويلاً أن يطلب مثوبة الله في كل قرار يتخذه؟ وما الذي يمنع القائد وهو يوجه ويأمر أن يبتغي رضا الله في بوصلة توجيهاته؟ إننا أحياناً نبذل الجهد نفسه، ونقضي الوقت ذاته، ولكن شتان بين جهدٍ "مفرغ" من النية، وجهدٍ "مملوء" بالاحتساب.

وختاماً، فإن ما نقصده بالإخلاص يتجاوز بمراحل مفهوم "الولاء" في المنظومة الغربية المادية. فبينما يرتبط ولاؤهم بالمنفعة المتبادلة، يظل الإخلاص في رؤيتنا قيمة ثابتة؛ لأنها مرتبطة بـ "الرب العظيم" سبحانه. الإخلاص هو " الروح" التي تسري في جسد العمل، فبدونها يبقى العمل مجرد حركات آلية، ومعها يصبح أثراً ممتداً في الدنيا وذخراً في الآخرة.

وسلامتكم؛؛؛

 

أخوكم،

د. م. عبدالله بن دخيل الله الحارثي
1 شعبان 1447هـ

تعليقات

  1. لا عطر بعد عروس
    ادلي بدلوي فقط لاتعليق ولا نقد وانما رأي فالإخلاص باختصار من وجهة نظر انتماء وعمله كونها بوجهين تعني قاصر ومجد وشعره بين الحلال والحرام يتعامل بها الطائع والمهمل مردودها حسب النيه وهي نسبه وتناسب عند الموظفين كلاً حسب احتسابه لله كان او لدنيا او لدينار .. والله آعلى واعلم . وسلامتك

    ردحذف
  2. ما تفضلت به يادكتور عبدالله يضع الإصبع على أصل الإشكال في بيئات العمل. الإخلاص ليس شعارًا مؤسسيًا، بل محرك داخلي ينعكس إتقانًا مهنيا
    وقد جاء في الحديث الحسن: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه.
    ومن خلال خبرتي العمليه الطويله في التنقل بين الإدارات ومنظمات الأعمال بالقطاعين العام والخاص تبيّن لي أن من يجمع بين الإخلاص والإتقان يبارك الله له في عمله، وفي وقته، وفي ترقياته، وفي رزقه.
    فالجهد واحد، لكن النية الصادقة والإتقان ومراقبته سبحانه ( الإخلاص)يصنعان فرق الأثر.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكاية "الانطلاق" الذي لم يبدأ

كورونا… هل يمكن أن تعود؟