شكراً لكم أيُّها المَنْسِيُّون

 شكراً لكم أيُّها المَنْسِيُّون

 


في غمرة الحراك التنموي المتسارع الذي تشهده بلادنا نحو تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، تتجه الأنظار دوماً نحو الأرقام، والمنجزات، والمؤسسات الكبرى. وفي خضم هذا المشهد الصاخب، يبرز قطاع كامل ينهض على أكتاف رجال وسيدات نذروا أنفسهم لخدمة مجتمعاتهم في صمت؛ إنهم أعضاء مجالس إدارات الجمعيات الخيرية والمنظمات غير الربحية، الذين يمثلون "الجنود المجهولين" في مسيرة البناء الوطني. هؤلاء الذين يديرون دِفّة العطاء، ليس بحثاً عن وجاهة أو مكسب، بل دافعهم فطرة سليمة ونقاء سريرة، يضحون بأوقاتهم، وجهودهم، وبأموالهم الخاصة، ليظل حبل العطاء متصلاً، ومؤسساتنا الوطنية شامخة.

لكن المفارقة المؤلمة تكمن في حجم التحديات وضغوط المسؤولية التي يواجهونها؛ فبدلاً من أن يحاطوا بالتحفيز والتمكين، يجدون أنفسهم أحياناً في مرمى سهام التشكيك، أو تحت وطأة قراءات قاصرة وتصريحات عابرة قد تخدش ثقة المجتمع في قطاع يُعدُّ ركيزة أساسية للأمن الاجتماعي والتنمية المستدامة. إن الوقوف مع هؤلاء اليوم ليس مجرد إنصاف لجهودهم، بل هو ذودٌ عن كينونة مؤسسات وطنية تساهم في صياغة مستقبل الوطن.

إن الجمعيات الخيرية في وطننا لم تعد مجرد قنوات رعاية عابرة لتوزيع المساعدات العينية، بل تحولت بفضل الدعم القيادي والتوجه الاستراتيجي إلى مؤسسات تنموية كبرى، وشريك رئيسي في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030. لقد أُنيط بهذا القطاع الحيوي رفع نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، وتوسيع نطاق أثره ليتجاوز سد الحاجة إلى تمكين الإنسان، وتطوير المهارات، وبناء مجتمع حيوي متماسك.

هذا التحول المؤسسي الضخم لم يأتِ من فراغ، بل يقف خلفه فكر إداري، وتنظيم حوكمة صارم، وساعات عمل طويلة يبذلها هؤلاء المتطوعون في مجالس الإدارات. إنهم يديرون كيانات وطنية تساند جهود الدولة -أيدها الله- في التنمية المستدامة، والاستقرار الاجتماعي، وتوفير فرص الحياة الكريمة، مما يجعل من هذا القطاع حصناً من حصون البناء الوطني التي تجب حمايتها وتعزيز الثقة بها.

إن المتأمل في واقع أعضاء مجالس الإدارات يجد نفسه أمام نموذج فريد من البذل؛ فهم يتولون مسؤوليات نظامية وقانونية جسيمة، ويتحملون تبعات إدارية ومالية تضعهم تحت مجهر الرقابة والتدقيق الدائم، وكل ذلك "تطوعاً" بلا أجر مادي أو امتيازات وظيفية. بل إن الكثير منهم يبادر بدعم هذه الجمعيات من ماله الخاص، ويسخر علاقاته وخبراته المهنية لضمان استمرار مشاريعها وتجاوز عثراتها، مدفوعين بنقاء الفطرة، والمسؤولية الأخلاقية والوطنية.

أيها المنسيون في زحام الأرقام والتقارير، أيها الباذلون من أوقاتكم وأموالكم وصحتكم خلف الأبواب المغلقة؛ إن كلمات الشكر قد تبدو ضئيلة أمام حجم التضحيات التي تقدمونها، لكنها واجب وطني وأخلاقي يمليه الإنصاف. إن الفطرة السليمة التي انطلقتم منها، والنوايا المخلصة التي زرعتموها في أرض هذا الوطن، هي الأساس الثابت الذي لا تزعزعه عواصف التصريحات العابرة ولا موجات التشكيك المؤقتة.

ستبقى الجمعيات الخيرية الوطنية، بجهودكم وجهود المخلصين من حولكم، ركيزةً شامخة وشريكاً أساسياً في نهضة المملكة وصناعة مستقبله المشرق تحت مظلة رؤيته الطموحة. والأخطاء العابرة أو القراءات المجتزأة لن تحجب ضوء عطائكم المستدام، فثقة المجتمع بمؤسساته الخيرية عميقة الجذور، ومستمدة من نبل الغاية ووضوح الأثر.

شكراً لكم، لأنكم تمنحون العمل المؤسسي روحه الإنسانية، وشكراً لأنكم تبرهنون دائماً على أن العطاء الوطني لا ينضب، وأن أثركم سيبقى محفوراً في حياة كل مستفيد، وفي سجلات رفعة هذا الوطن، وإن نسيتكم الأضواء.

 

أخوكم

د.م. عبدالله بن دخيل الله الحارثي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الضفادع المغلية

حكاية "الانطلاق" الذي لم يبدأ