القيم أولاً

 


القيم أولاً

عندما أراد النبي ﷺ أن يؤكد عِظَم حقِ الأمِّ في حُسْنِ الصُحبة، كرّر حقها ثلاث مرات قبل غيرها، في إشارة تربوية بليغة إلى أن بعض المعاني لا يكفي ذكرها مرة واحدة، لأنها تمثل أصل البناء وأساس الاستقامة.

وكذلك القيم في عالم الأعمال؛ فهي ليست بندًا تجميليًا يُذكر على الهامش، بل هي الأصل الذي يجب أن يتكرر حضوره في الرؤية والقرار والسلوك؛ لذلك نقول: القيم أولًا، القيم ثانيًا، القيم ثالثًا، ثم يأتي الإنجاز بعد ذلك.

شركة تربح أمولا كثيرة ولكنها تتحصل على ذلك بالخداع والتضليل، هل هي شركة ناجحة؟

من منظور إيماني هي خاسرة، ومن منظور تجاري أيضا هي خاسرة.

كيف يكون ذلك؟!

المنظور الإيماني واضح؛ فهو يرى أن الشركة أو التاجر أداة لإعمار الأرض ونفع الناس؛ فإذا تحولت إلى أداة لإلحاق الضرر بهم وتضليلهم، فقدت المنظمة مشروعية وجودها الإيماني والأخلاقي، وتحولت أرباحها الحالية إلى "حجة عليها" لا "حجة لها"، كما أصَّلت الشريعة أيضا أن الكذب والكتمان يمحقان بركة الكسب.

وفي أدبيات الإدارة الحديثة ونظريات الاستدامة المؤسسية، يُنظر إلى هذه الشركات على أنها "تستنزف أصولها غير الملموسة لتمويل أرباحها الملموسة". هذا النموذج يواجه خسائر تجارية حتمية لعدة أسباب:

-        - تبخر رأس المال السمعي (Reputational Capital): السمعة هي أغلى أصول الشركة. الخداع والتضليل يملك "عمر افتراضي" قصير؛ وبمجرد أن يكتشف العميل أو السوق هذا التضليل، ينهار رأس المال السمعي، وتتحول العلامة التجارية إلى "وصمة"، وهو ما يعني انهيار المبيعات مستقبلاً.

-        - ارتفاع تكلفة المخاطر القانونية والغرامات: المنظور التجاري الذكي يحسب الأرباح بعد خصم المخاطر. الشركات التي تبنى على التضليل تواجه قضايا تعويضية وغرامات تنظيمية من الجهات الحكومية أو حماية المستهلك قد تأكل كل الأرباح التي حققتها عبر سنوات في لحظة واحدة.

-        - تآكل القيمة السوقية للمنظمة (Brand Equity): المستثمرون والمؤسسات المالية اليوم لا يستثمرون في شركات ذات "مخاطر قيمية عالية"، لأنهم يعلمون أن قيمتها السوقية قد تنخفض إلى الصفر في أي وقت.

الخلاصة: الشركات قد تبني أرباحها بالأرقام، لكنها لا تبني بقاءها إلا بالقيم؛ لأن السوق قد يغفر ضعف المنتج أحيانًا، لكنه لا يغفر سقوط الأخلاق حين يتحول إلى نمط متكرر.

 

أخوكم

د.م. عبدالله بن دخيل الله الحارثي

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الضفادع المغلية

حكاية "الانطلاق" الذي لم يبدأ

الطواقي الست