الأكسجين المؤسسي Organizational O2
الأكسجين
المؤسسي Organizational
O2
في
المقال السابق "الحرب العالمية الدائمة" تحدثنا عن محاولة فهم صراع
القيم داخل النفس البشرية من خلال مجموعة من النظريات الاجتماعية والإدارية. وحتى
نتم الفكرة ونجعلها فكرة عملية قابلة للتطبيق نتحدث اليوم عن الأكسجين المؤسسي.
في عالم الإدارة، نتحدث عن "خطوط
الدفاع الثلاثة" لضبط المخاطر وحماية المنظمة:
· الخط
الأول: الإدارة التشغيلية (التي تمتلك المخاطر وتديرها مباشرة).
· الخط
الثاني: وظائف الرقابة والامتثال والجودة (التي تضع الأطر وتراقب الالتزام).
· الخط
الثالث: التدقيق الداخلي (الذي يقدم تأكيداً مستقلاً).
لكننا نُغفل دوماً ما يمكن تسميته بـ
"الخط صفر"؛ وهو الوازع القيمي الكامن في قلب الموظف قبل أن يبدأ عمله.
إن أي حوكمة تعتمد على الأسوار الخارجية فقط هي حوكمة "هشة" وعالية
التكلفة، فبدون هذا الخط الدفاعي ما قبل الأول، سيظل الإنسان يبحث عن
"ثغرة" يلتف بها على الأنظمة بمجرد غياب الرقيب البشري.
هنا يبرز النموذج الأسمى لتعظيم القيم،
وهو "التدين الحقيقي"؛ الذي لا يمثل التزامه مجرد استجابة لضغوط
اجتماعية أو خوفاً من عقوبات إدارية، بل هو التزام ناشئ عن "هندسة
دوافع" فائقة الدقة. لماذا نجد المتدين "الحقيقي" هو الأكثر ثباتاً
والتزاماً بهذه القيم وسط هذه المعارك؟ السر يكمن في "هندسة الدوافع"
لديه؛ فالمتدين لا يلتزم بالصدق كخيار اجتماعي أو سياسة عمل، بل كـ "استحقاق
وجودي" وعهد مع الله. هو يمتلك نظاماً رقابياً لا يعترف بالثغرات، لأن
"الغيب" عنده "شهادة"، والمراقب حاضر لا يغفل، وأفق الجزاء
لديه يمتد لما بعد الحياة الدنيا، مما يجعل كفة القيم العليا لديه هي الأرجح
دائماً بيقين لا يتزعزع. هذا الربط بين "القيمة"
و"المصدر المطلق" هو ما يجعل ميزان القيم لديه ثابتاً لا يتأرجح أمام
إغراءات المنفعة العابرة.
لكن السؤال المهم، كيف نعظم موضوع
القيم في بيئات مجتمعات العمل؟ إن الإجابة لا تكمن في الوعظ المجرد، بل في
"تصميم بيئة العمل" لتكون محفزة للقيم.
- يبدأ
ذلك بـ "أنسنة الحوكمة"؛ وتحويل القيم إلى "أكسجين" يتنفسه
الموظف في بيئة عمله، أي تحويل القيم من شعارات معلقة على الجدران إلى
"معايير للترقي والجدارة".
- نحن
بحاجة أيضاً إلى بناء بيئات عمل تُشعر الموظف بأن العمل "عبادة" وإتقانه
"إحسان"، وبأن قيمته الحقيقية تنبع من استقامة ميزانه الداخلي. فإذا
استقامت القيم في الداخل خرج السلوك بصورة مشرقة تليق بالإنسان
ومهمته في هذه الحياة، ولأصبح "الخط صفر" هو الحصن المنيع الذي يحمي
الفرد والمؤسسة على حد سواء.
- وتدعمه بـ "نمذجة القدوة"، فترسخ القيم حين يرى الموظف قائده يضحي بمكسب مادي من أجل مبدأ أخلاقي. فيرسل بذلك رسالة صامتة أقوى من ألف تعميم إداري.
كما يتطلب الأمر إعادة هندسة "نظام المكافآت" ليكون الاحتفاء بـ "الجدارة الأخلاقية" موازياً للاحتفاء بـ "الإنجاز المادي". فحين يرى الموظف أن مؤسسته تكافئ "الأمانة" و"الصدق" و "القول الحسن" و "الانضباط الأخلاقي" وغيرها من القيم، بذات القدر الذي تكافئ به الأرقام والنتائج، فإنه يبدأ تلقائياً بإعادة ترتيب ميزانه الداخلي.
إن هدفنا النهائي من "هندسة
الدوافع" هو الوصول إلى مرحلة "العفوية القيمية"، حيث يصبح السلوك
المستقيم هو الخيار الأسهل والتلقائي، وحيث يتحول "الخط صفر" إلى صمام
أمان يغنينا عن الكثير من التعقيدات الرقابية. فإصلاح ميزان القيم في القلب ليس
ترفاً أخلاقياً، بل هو ضرورة إدارية واستراتيجية لإقامة مجتمعات عمل قوية، منتجة،
وتليق بكرامة الإنسان.
أخوكم
عبدالله
بن دخيل الله الحارثي
دكتوراه في إدارة الأعمال – ماجستير في الإدارة
الهندسية
تعليقات
إرسال تعليق